عندما يتقاطع الخاص مع العام
قد نختلف أو نتفق في الرأي، لكن تبقى الأدلة والشواهد والأسانيد هي التي تحدد مدى قدرة كل واحد منا على إقناع غيره، ويبقى الاقتناع بالرأي أو الفكرة مرهونا بمدى احترامنا لأراء بعضنا البعض.
وحين نكتب يجدر بنا أن نفكر في من هم أكرمنا علما واطلاعا وثقافة دون أن ننسى من هم في مستوانا أو نتجاهل من هم اقل منا، وهو ما يجعلنا نتساءل دائما: هل من حقنا أن نبدي رأيا دون اللجوء إلى المعلومات التي يتقاطع فيها الخاص مع العام في مساحة مضبوطة بخط افتتاحي لمالك الجريدة التي نكتب فيها؟
.
لنتفق على المصطلحات
المصطلح كما يعرفه الدكتور محمود حمدي في كتابه (لغة الصحافة) هو “اسم مشتق على وزن مفتعل من الفعل الخماسي (اصطلح)، ويقال اصطلح القوم أي زال ما بينهم من خلاف واصطلحوا على الأمر أي تعارفوا عليه واتفقوا”، وما دمنا نؤمن كجزائريين بعظمة ثورة أول نوفمبر فلماذا نخاف من كشف المخفي منها خاصة وأن بعض عقدائها العشرة ما يزالون أحياء وبإمكانهم تصحيح المعلومات الخاطئة.
وإذا كنت مدمنا على القراءة والمتابعة والرصد للمعلومات والآراء والأفكار يخيل لك أن هناك فضاءات خاصة وأخرى عامة، وهناك فضاءات محلية ووطنية وأخرى قومية ودولية، وهذه الفضاءات واضحة المعالم على مستوى الصحافة الورقية ولكنها تبقى متداخلة فيما بينها على مستوى الصحافة الالكترونية لأن القارئ لها متعدد اللغات من الصينية إلى الروسية مرورا ببقية اللغات المستخدمة في الانترنت والتي تتقدمها الانجليزية وبالتالي فالكتابة تزداد تعقيدا إذا رعيت هؤلاء القراء، وأنت تكشف المستور في ثورتك، وقد يستغل أعداء الثورة هذه المعلومات لتضليل الرأي العام أوالتشويه.
ولا أبوح سرا إذا قلت أنني التقيت معظم قادة الثورة الجزائرية الذين عاشوا لغاية الثمانينات والتسعينات وأجريت لقاءات صحفية مع الكثير منهم وهي منشورة في صحف عربية وجزائرية، وعندما أعدت قراءة ما نشرته على لسان أمثال المرحوم العقيد صالح بوبنيدر(قائد الولاية الثانية) ، توقفت عند فرحته بإلقاء القبض على الزعماء الخمسة الذين كانوا في طريقهم إلى التفاوض، واكتشفت عندها مدى حب المجاهد للاستشهاد من اجل الوطن.
وقد أعجبت بمقال الكاتب الهادي الحسني المتعلق بالدعوة إلى احترام كلمة مجاهد وعدم إطلاقها على غير المسلمين باعتبارها ذات مضمون ديني ولكل دين مصطلحاته، وقبل ثلاثين سنة أجريت لقاءات صحفية مع قادة الكنيسة الجزائرية وفي مقدمتهم الكاردينال ديفال بهدف إجراء تحقيق حول دور المسيحيين في الثورة الجزائرية، وما لفت نظري أن ديفال كان يتجنب القساوسة الذين شارك آباؤهم في قتل الجزائريين، ورفض أن يشاركنا احدهم في الحوار لأن والده كان جنرالا في مجازر 8 ماي 1945م.
وقد استخدمت خطأ مصطلح المجاهد أثناء حديثي معه ومع بيار شوليه وغيرهما، ولهذا استغرب ممن يطلقون اليوم صفات المجاهد والشهيد على المسيحيين الذين احتضنوا الثورة الجزائرية وأفضل وصفهم بالمناضلين باعتبار أن اغلبهم كانوا في أحزاب سياسية أو المساندين للثورة، ويفضل استخدام صفة المرحوم أو الراحل باعتبارهما متداولتين في معظم الديانات.
يبقى السؤال: ما هي الصفة التي نطلقها على من يخفي اسمه الحقيقي وأصله ودينه وينتحل اسما جزائريا له؟ وهنا يحضرني اسم تقلد أعلى المناصب في السلطة الجزائرية وأعلى الرتب العسكرية، وكان يعلق في صالونه مقالا لأشهر كاتب صحفي جزائري يتحدث عنه كـ”رجل دولة” وهي شخصية مدفونة في إحدى مقابر العاصمة،إنه joseph cohen salalm aboker : .
وهنا يتقاطع الفضاء الخاص مع الفضاء العام ، لأن رجال الثورة الأحياء منهم والأموات كانوا يمثلون لنا القدوة ، فالشهيد العربي بن مهيدي انتقل من وهران إلى العاصمة بفضل زوجة أحد القيادات الجزائرية، والشهيد محمد بوضياف رفض أن يكون رئيسا للجزائر عام 1962م وهو في السجن عندما اقترحت عليه قيادة الأركان، لأن ذلك يعني الإطاحة بحكومة بن يوسف بن خده، ولهذا فمن الصعب التفريق بين الحياة الشخصية والحياة العامة للمجاهد أثناء الثورة وبعد استرجاع السيادة، بحيث ان اغلب مذكرات المجاهدين تتجاهل الجانب الشخصي، وحتى شعراء الثورة أمثال محمد العيد آل خليفة ومفدي زكريا لم ينشروا قصائد الحب التي كتبوها، وقد تعمدت نشر قصيدة حب لمحمد العيد بالرغم من تعهدي له بعدم نشرها وهو حي في ملحق (الشعب الثقافي) عندما كنت مسؤولا عليه.
وما استغربه اليوم هو أن هناك قيادات لم تقم لها جنازات رسمية مثل فرحات عباس (أول رئيس للحكومة المؤقتة الجزائرية) وبن يوسف بن خدة (ثاني رئيس للحكومة المؤقتة ) ورابح بيطاط (أول رئيس لمرحلة انتقالية ما بين بومدين والشاذلي بن جديد)، مثلما حدث للرئيسين الراحلين أحمد بن بلة والشاذلي بن جديد، ربما يقول البعض أن بعضا منهم أوصى بعدم دفنه في مقبرة العالية؟
والحقيقة التي لا تقال أن تاريخ الجزائر المستقلة يحمل الكثير من الغموض بسبب الصراع السياسي بين أعضائه خلال الثورة ، ولا احد يشكك في تضحية الشعب الجزائري بمليون ونصف مليون شهيد غير أولائك الذين يستغلون آباءهم الشهداء لأغراض مشبوهة.