عندما يتكلّم بن عودة…
“عندما تقدم مني نزّار وقفت لأسلم عليه، فإذا به يفاجئني بقوله (تحدّيتني) عدة مرات، وهو يضربني بحذائه في رجلي اليمنى حتى سال الدّم”… هذا الكلام لم يقله شخص بسيط، ولكن صدر عن واحد من أهم قيادات الثّورة التّحريرية ومن الأعضاء القلائل في مجموعة الـ22 المفجّرة للثّورة والذين مازالوا على قيد الحياة… الواقعة حدثت قبل سنوات في حفل رسمي بدار الشعب، وهي مثال على ما تعرّض له القادة الأوائل للثّورة من إهانات وتجاوزات في مسلسل طويل بدأ منذ الاستقلال.
وفي الواقع فإن الحوادث الأخرى يمكن وضعها في خانة الخلافات بين قادة الثّورة، وهي خلافات بدأت خلال الثورة وامتدت إلى ما بعد الاستقلال، لكن الحادثة التي تكلم عنها بن عودة تأخذ طابعا خاصا، لأنها وقعت بين واحد من أوائل قادة الثورة وواحد من الضباط الذين كانوا يشتغلون بالجيش الفرنسي والتحقوا متأخرين بالثّورة التّحريرية، بل إنّه التحق بالجيش الفرنسي بعد اندلاع الثورة التحريرية.
هو صراع تعود جذوره إلى الثورة التحريرية، حيث كان العقيد عمار بن عودة من أبرز المتحفظين على المسؤوليات الكبيرة التي أعطيت للعسكريين الفارين من الجيش الفرنسي، لدرجة أنه اعترض يوما على حضور أحد الفارين من الجيش الفرنسي والملتحقين حديثا بالثورة أول اجتماع للجنة العمليات الشرقية والغربية، ويتعلّق الأمر بالرّائد “إيدير” وقد اعترض بن عودة بشدّة لدى كريم بلقاسم لدرجة قام فيها هذا الأخير بإخراج الرائد إيدير من الاجتماع.
عمار بن عودة لم يفجر قنابله في وجه نزار فقط، وإنما فجرها في كل من يصطلح عليهم بضبّاط فرنسا وبينهم الرائد بن شريف الذي أطلق سراحه بأمر من ديغول حسب بن عودة الذي قال إنه وصلته معلومات عبر تونس بأن ديغول قال “اتركوهم يذهبون إلى الجهة الأخرى، فنحن لسنا بحاجة إليهم هنا، بل نحتاجهم هناك“.
عندما يتكلم بن عودة، ينبغي أن يسكت غيره، لأنه كان من طينة المجاهدين الكبار، وكان واحدا من أهم صانعي الأحداث خلال الثّورة، فإذا شاءت الأقدار أن لا نسمع من قيادات الثورة من أمثال كريم بلقاسم وبوصوف وبن مهيدي وغيرهم فإنّ بن عودة لا يقل عنهم أهمية خلال الثورة، وما يقوله سيسجل ضمن أهم الشهادات التاريخية على الإطلاق.