عندما ينتحر الأطفال عندنا..
أصيب الشارع الجزائري الأسبوع الماضي بصدمة كبيرة عند اطلاعه على نبأ انتحار ثلاثة أطفال في منطقة القبائل في ظرف يومين لأسباب متقاربة تصب كلها في نطاق حالة اليأس والتمزق والتذمر الذي أصاب أسرنا وأبنائنا الصغار مثل الكبار، أمام مرأى ومسمع السلطات والمؤسسات والجمعيات والشخصيات العامة، وحتى الإعلاميين والباحثين والمتخصصين في علم النفس والاجتماع لم يحركوا ساكنا ولم تستنفرهم الفاجعة، وكأن الأمر عادي ويحدث كل يوم وفي كل مكان عندنا، ويجب علينا السكوت عنه مثلما سكتنا عن انتحار الكبار وموتهم في أعماق البحار، وسكتنا عن من ماتوا من شدة البرد والحر والجوع والعطش والفيضانات والزلازل والقهر والظلم ومختلف المصائب!
لا أريد الخوض في الحيثيات والأسباب والدوافع التي أدت بهؤلاء الصغار الى تقليد الكبار، ولكن الواقعة تبقى مؤلمة ومؤسفة ومخجلة لبلد من حجم الجزائر بكل ما يملكه من رصيد وقدرات، وهي تستدعي أن تتوقف الحياة كلها من أجل عيون هؤلاء الصغار وغيرهم ممن لا ذنب لهم سوى أنهم كبار في وعيهم وإدراكهم للحياة التي ذاقوا مرارتها وهم صغار، ويتألمون مثلنا وأكثر، ويفقدون الأمل في غد أفضل فينتحروا!
كما أن الصمت الرهيب في الأوساط الرسمية والشعبية ولدى الساسة والمثقفين والأئمة والمربين دليل أخر على أن النفس الإنسانية لم يعد لها معنى في قاموس الكثير من الجزائريين، وأن حق الطفولة والبراءة في الحياة الكريمة لم يعد يشغل بالنا بقدر ما تشغل بالنا انتخابات العاشر ماي وانتخابات الرئاسة الفرنسية، وحادثة الفرانكو جزائري الذي أجرم ثم قتلته الشرطة الفرنسية منذ أيام، وتشغل بالنا مباريات الكرة والاحتفالات بذكرى خمسينة الاستقلال، وكيف السبيل للحصول على المواقع والمناصب، وأمور أخرى تافهة..
صحيح أن الجزائر حققت انجازات كثيرة وكبيرة في صالح الأسرة والمرأة والطفل وفي صالح الدولة بفضل الرجال والنساء الذين تعاقبوا على مختلف المواقع منذ الاستقلال، ولكن النفس البشرية والحياة والموت كانت عندهم جميعا تافهة وعادية مهما كانت أسبابها حتى أن انتحار هؤلاء الأبرياء الصغار مر مرور الكرام وكأنه عادي..
الموت صار تافها مهما كانت أسبابه، والحياة لم تعد لها قيمة في ظل الإهمال الذي يعاني منه الصغير والكبير والمريض والفقير والتلميذ والطالب والعامل والبطال، وفي غياب تحمل المسؤولين لمسؤولياتهم عند كل مصيبة، وتهربنا من مواجهة ومعالجة واقع مرير!
وعندما تصبح الحياة – كما الموت – دون معنى فإننا نقول للدنيا السلام ويصبح العمل والجهد والاجتهاد بلا قيمة، وتصبح القيم والأخلاق تخلفا وتراجعا، والتسيب وتضييع المال العام والنهب غنيمة وشطارة، ولن يعود للأخلاق والقيم والمواطنة والإخلاص قيمة في الأوساط الرسمية والشعبية، فتختلط علينا المعايير والمقاييس ونفتقد روح المبادرة ورد الفعل التلقائي والعفوي عند المحن والمصائب، ويصبح انتحار ثلاثة أطفال في ظرف يومين عنوانا في جريدة يومية سرعان ما ننساه..
لست متخصصا في علم النفس والاجتماع، ولا في السياسة وأصولها ولكن انتحار ثلاثة أطفال في يومين وفي منطقة واحدة يجب أن يثير فينا الفضول على الأقل والشفقة والرحمة بأبنائنا وتستنفر الدولة مؤسساتها السياسية والاجتماعية والقضائية والدينية والتربوية للوقوف عند الفاجعة وتجنب حدوث كوارث أخرى من هذا الحجم والنوع نحن في غنى عنها.
أسباب القهر والموت عند صغارنا كثيرة وإن لم نقدر على منحهم السعادة والكرامة فلندعهم يموتون مرتاحين دون أن يقتلوا أنفسهم، وإذا أردتم معرفة حجم الكارثة فليتصور كل واحد منا ولو للحظة بأن هؤلاء الأطفال هم فلذات كبده ومن صلبه.. ماذا سيكون الموقف؟