عودة وطن
بدت أهرامات الجيزة، مساء أول أمس، كأنها ثلاث قطع كبيرة من السكر تذوب في كأس صغيرة اسمها ملعب تشاكر بالبليدة..
-
وبدا الشعب الجزائري في قمة عنفوانه وتحضره وتمدنه، لا تخريب ولا تحطيم ولا تهديم ولا اعتداء..
-
الحدث لم يكن عاديا، والإنجاز أيضا، دعك من لغة الخشب، ولا تصدق العبارات الهاربة من أرشيف الخطابات الجوفاء، والجمل القطنية المقعرة والفارغة، كقولهم “هي ليست سوى مباراة في كرة القدم”، لو كان الأمر كذلك لما حول الجزائريون ليلهم إلى نهار، ولما نزلوا بالملايين إلى الشوارع مستسلمين لهستيريا الفرح، يصرخون ويرقصون وينشدون مقاطع من أغاني الأمجاد، التي كانت ضائعة إلى غاية هدف مطمور الأول في مرمى “المغبون” عصام الحضري، “جيبوها يا لولاد” و”مبروك علينا هذي البداية او مازال ما زال” و”وان تو تري فيفا لالجيري”.. وكما أنه لا يجوز تحميل انتصار الخضر الباهر على الفراعنة أكثر مما يطيق، فإنه ليس من العدل أن نسلبه حقه.
-
مطلوب منا اليوم أن لا نتوقف عند البعد الرياضي لملحمة البليدة، أن نتجاوزه إلى الأبعاد الإنسانية الأخرى، التي من أهمها أن هذا الوطن، الذي حولوه خلال عشرية الدم والدموع إلى ميدان كبير للرهانات الخاسرة على اندثاره وتشرذمه وسقوطه، هذا الوطن الذي ضحكوا طويلا على عثرته، وتشفوا كثيرا من كبوته، أعلن رسميا أول أمس من ملعب تشاكر بالبليدة استرجاعه آخر قطع الحياة المسلوبة منه..أعلن عن عودته إلى حلبة الكبار..فالجزائر الحقيقية ليست تلك التي تقصيها كينيا وتنهار أمام مصر بخمسة أهداف مقابل هدفين، الجزائر الحقيقية هي داحرة فرنسا في 75 وهازمة ألمانيا في 82 ومسيلة العرق البارد لنجوم البرازيل في 86، وقاهرة إفريقيا في 90.
-
قصة طائر الفينيق العظيم المستيقظ من غفوته والناهض من رماده ليست سوى أسطورة يتنذر بها، لكن قصة عودة الحياة إلى جسد الفنك الجزائري واقع وحقيقة، تابعناها سهرة أول أمس صوتا وصورة.