-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عيد “مسكوني” لصحافة التيار المهيمن

حبيب راشدين
  • 2627
  • 5
عيد “مسكوني” لصحافة التيار المهيمن

احتفال العالم هذا الأسبوع بما يُسمى “اليوم العالمي لحرية الصحافة” لم يختلف كثيرا عن المواسم السابقة، بتمجيد مجتمع الإعلام لنفسه وهو يعيش أرذل العمر، واحتفاء السلطات به بعد أن قضت سنة في التنكيل المنهجي بمؤسّساته ورجاله، وتجاهل شعبي لعيد مسكوني جامع لصحافة التيار المهيمن الجارف، ليس فيه للمتلقي ما يسمن أو يغني من جوع.

على المستوى المحلي كما على المستوى العالمي لا أحد من خصوم مبدأ حق الشعوب في إعلام حر، وصحافة مستقلة، يجاهر اليوم بعداء صريح المبدأ، أو يلجأ إلى ما كان متاحا قبل نصف قرن من تعليق للصحف، واعتقال للصحافيين، وتضييق منهجي على تداول المعلومة، لكن حرية التعبير والصحافة لم تكسب الكثير، لا مع التعددية التي سرعان ما تسقط في حبال المال والتحزب، ولا من جهة الاستقلالية، التي هي محض أسطورة، في عالم تدار به الدول عبر تسخير الإعلام كقوة ناعمة تدير به حروب الجيل الرابع، فتنتزع فيها قيادة الشعوب من حكوماتها ونخبها الأهلية.

في الغرب الرائد لحرية الصحافة، نشأت في ثلث القرن الأخير ديانة جديدة تدير الحلال والحرام، ما هو متاح للتداول الحر، وما هو محض “كفر” إن اقترب منه أحد ممن يرتاد التجارة بسوق السُّحت الإعلامية، فبوسعك أن تقول ما تشاء عن رب السماوات والأرض، وتسيء إلى الأنبياء والرّسل، وتهين حضاراتٍ بأكملها، ما لم تقترب من بني إسرائيل و”دولتهم” المستعمِرة للدولة العميقة في أكثرية دول العالم، لأن التهمة جاهزة لك بـ”معاداة السامية”، والمحرقة تنتظرك بإعدام اجتماعي وفتنةٍ في قوت يومك هي أشدّ من القتل.

ثمة مصطلحٌ ابتكر لتوصيف هذا الإعلام المهيمن: “صحافة التيار المهيمن Mainstream media ” وهو يصف ما تتحكم في صناعته ونقله أمهات الشركات الإعلامية، التي تعمل كشركات قابضة في قمة هرم سوق المعلومة والفرجة، هي التي تصنع التوجيه الفعلي لكل ما نستهلكه يوميا من بضاعة في “سوق الكلام” حتى يخيل إليك ـ وأنت تتنقل بين الفضائيات ـ أنك أمام رئيس تحرير واحد، هو من يحرّر عناوين الافتتاح ويرتب أولويتها، وليس لك من اختيار سوى الاستهلاك على مضض، أو الهجرة إلى بعض المواقع على الشبكة لتكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.

وفي عالم يشهد حالة من التخمة في تدفق المعلومة، أصبحت حالة الإشباع فيه هي العدوّ الأول لوصول المعلومة الصادقة، لأن خصوم حق الشعوب في المعلومة الصادقة، قد توصّلوا إلى حقيقة صُنعت بالسوق الرأسمالية، تفيد أنه كلما أُشبع السوق بالمتشابه من البضاعة الواحدة، كلما ازدادت الشراهة في الاستهلاك، وضعُف الحس النقدي عند المستهلِك.

ولا سبيل مواجهة هذا التيار المهيمن الجارف، الذي لم تعد معه السلطات بحاجة إلى مضايقة الفئة القليلة التي تقاتل بيأس من أجل حق الشعوب في المعلومة الصادقة وفي حرّية تداولها، وحدها بعض الأنظمة المتخلفة ما زالت تراهن على أدوات الحجر والتعقيم وحراسة بوّابة العقول، في عالم مفتوح للتنقل الحرّ لجميع أنواع الفيروسات القاتلة للنفس البشرية، قد هدّم الإعلام حدوده بلا رصاصة واحدة تُطلق، جميعنا فيه يمشي ـ مثل بهيمة الأنعام ـ بظلفه إلى حتفه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • مانستريم ميديا هاتر

    هناك مشروع NewsBud ...ابحث عنه يا أستاذ . بارك الله فيك.مقالاتك رائعة. أيضا من بين المواقع الرائعة والمستقلة : WeAreChange.org GlobalResearch.ca CorbettReport.com
    ما يحيرني هو عدم وجود مثيل لها في الصحافة المكتوبة بالعربية وربما حتى الفرنسية ..شيء غريب جدا خاصة ونحن كمسلمون الأكثر تضررا من صحافة وإعلام الماينستريم ..فمثلا لاتجد من يكشف الحقيقة حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر في صحافتنا ، رغم أن ذلك يصب في مصلحتنا بل وسيخلط كل الحسابات لمن يعتمد عليها لتسويق اجندة الحرب على بلداننا. سلام

  • Farouk

    تصوير الصحافيين على أنهم ملائكة لا يجب المس بهم كذب في كذب. سمعت مؤخرا صحفيا تركيا يجيب على سؤال من قناة روسية حول أردوغان فقال : يجب أن لاتصدقوا كل ما يكتب في الصحف فالكثير منه كذب . وهذه شهادة صحفي . أما عن الجزائر فأنا أعرف صحفا لو قرأ عناوينها أجنبي لا يعرف الجزائر لتصور أن الصحيفة تتحدث عن الجحيم !

  • almanzor

    بالطبع لا توجد صحافة مستقلة، كيف و هي تمول من كبار رجال الأعمال و أصحاب النفوذ في عالم السياسة، لا يمكن أن يستقل الإعلام بعد أن أصبح قوة مدمرة وأداة فعالة في يد الأنظمة دكتاتورية كانت أم ديمقراطية، و كما قال الدكتور الفيلسوف عبد الوهاب المسيري المؤسسة الإعلامية هي المؤسسة الوحيدة الغير منتخبة من طرف الشعب والتي تفرض علينا فرضا، فيجب على الديمقراطيات الحقيقية أن تعطي للشعب حق اختيار إعلامه.

  • خالد

    مقال رائع يا استاذ ... هذا ما يجب التركيز عليه و التعمق فيه و دراسته بروية , و المشكلة ان الجميع يدور و يدور و لا يدري كل ما يبثة و يكتبه صفر لانه لا يصل , و حتى ان وصل الى نسبة من المتلقين فان كم المعلومات التي تنشر يكون تشويشا مدوخا في ذهن المتلقي و يضرب الحقيقة في صفر ... واصل في الموضوع يا استاذ

  • بدون اسم

    فن التعتيم والتعمية وقلب الحقائق وشهادات الزور وأساليب البهتان ...حتي أصبح القاريء والمشاهد يبحث بنفسه عن الحقيقة فوجدها هي الضحية الأولي ووجد شمسها غابت عن الأنظار ...سؤال يا صاحب الصح -آفة أمازلت تصدق نفسك ؟
    اقتباسا من قول الشاعر :
    وما صحف وقنوات الاعلام في كل ماكتبت وروت لقرائها الا حديثا ملفقا ...
    "يكذبون وما صحهم بوجه".
    يبعون الكذب والبهتان ...قال احتفال قال .