غرداية … فعلا عقدة رابعة!!
الجزائريون في غرداية يتقاتلون، والجزائريون في كامل التراب الوطني وخارجه يتألمون لما يحدث في مدينة كانت دوما رمزا للتعايش بين الإباضيين والمالكيين، ورمزا للوفاء والإخلاص للوطن، وكان أبناؤها مثالا في الانضباط والتحلي بمكارم الأخلاق وبروح المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالوحدة الوطنية، لكن الوضع يتأزم من يوم لآخر في ظل فشل السلطات العمومية في تهدئة الأوضاع وتراجع دور الأحزاب والجمعيات والشخصيات الوطنية التي أثبتت فشلها وصارت”خارج مجال التغطية” لا تقدر على القيام بواجباتها تجاه منطقة تأكلها نار هادئة قد تمتد شرارتها لتحرق ما تبقى من هذا الوطن..
الكل منشغل برئاسيات لن تحل بالضرورة مشاكل الجزائر بل قد تزيد من تأزيم الوضع إذا استمر الانسداد والغموض والتحايل على الشعب، والكل يفكر في البقاء في السلطة أو الاستحواذ عليها، ولو احترقت غرداية بأهلها وما فيها، وكل الانتهازيين راحوا يهللون ويطبلون لـــ”الهردة الرابعة” ويتجاهلون ما يحدث في غرداية.. السلطات لم تقدر على احتواء الأزمة رغم جهود الوزير الأول بصدقه وعفويته وجهود أعيان المنطقة الذين تجاوزتهم الأحداث في الاستجابة لمتطلبات الجيل الجديد بهمومه ومشاكله، ولم يعد بإمكاننا الصمت أمام فتنة تنتشر ومدينة تحترق وأمام أحقاد تزداد، وينصب تركيزنا على”هردة رابعة” على حساب مستقبل ومصير الوطن!!
الأحزاب والجمعيات والشخصيات الوطنية منشغلة بالبحث عن التموقع مع مرشح الإجماع الذي يضمن لها استمرار هيمنتها على الحياة السياسية متجاهلة مسؤولياتها السياسية والتاريخية تجاه أبنائنا في غرداية، وكأن الأمر يعني بلدا آخر غير الجزائر وشعب آخر غير الشعب الجزائري، فلم نسمع منها عن مبادرة لتقريب وجهات النظر أو حتى بيان يندد بالصمت والتعتيم ويدعو إلى التهدئة، ولكننا نسمع قادتها ونقرأ لهم يوميا عن مبادرات تأييد وتطبيل وتهليل للعهدة الرابعة ولرئيس يحتقرهم بدوره ويتجاهلهم ولا يخاطبهم أو يعيرهم أدنى اهتمام.
أما نواب الشعب فلا أثر لهم في البرلمان ولا في الميدان، ولم نسمع لهم أصواتا صادقة لأنهم يفتقدون للمصداقية ولا يدركون بأن الذين يتقاتلون في غرداية هم جزء من هذا الشعب الذي انتخبهم، ولا يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، باعتبارهم ممثلين للشعب قبل أن يكونوا ممثلين لأنفسهم وأحزابهم، والتاريخ سيسجل عليهم اخفاقا كبيرا في التكفل بانشغالات فئة من أبناء شعبنا، وجزء من وطننا الذي صمد عبر التاريخ في وجه كل محاولات تقسيمه من الخارج وتقزيمه من الداخل..
صحيح أن السلطات العمومية وبعض الأحزاب والنواب والشخصيات الوطنية يفتقدون للمصداقية، وثقة أبنائنا في غرداية تزعزعت في الكثير من الجهات التي حاولت إيجاد حلول سطحية لمشاكل جوهرية قد تهدد النسيج الاجتماعي، لذلك لم يبق لنا سوى مخاطبة ضمائر أهلنا في غرداية بأعيانهم وشبابهم للاعتماد على أنفسهم وتحكيم صوت العقل لإطفاء نار الفتنة لأن المدينة وكل الجزائر تسع الجميع وبلدنا بحاجة لتظافر جهود الجميع من أجل تجاوز ظرف آخر عسير تمر به أمتنا عشية انتخابات رئاسية يراد لها أن تكون مناسبة لإبقاء الجزائر خارج التاريخ..