“غزوة” الحرس البلدي للعاصمة تكشف عورة الإصلاحات السياسية
شكّلت الكيفية التي تعاطت بها قوات الأمن مع مسيرة عناصر البلدي أول أمس بالعاصمة، اختبارا حقيقيا لجدّية الإصلاحات السياسية التي أطلقتها السلطة العام المنصرم، والتي أصبحت محل تساؤلات الرأي العام في الداخل والخارج.
وعبّر حقوقيون عن تذمرهم من استمرار الممارسات السلطوية التي كانت سائدة قبل خطاب رئيس الجمهورية الشهير بتاريخ 15 أفريل 2011، الذي أطلق فيه حزمة الإصلاحات، في وقت كانوا يتمنون أن تدخل الجزائر بعد هذا التاريخ، مرحلة جديدة قوامها بسط الحريات الفردية والجماعية، على الأقل وفق النصوص القانونية التي تبناها البرلمان ودخلت حيز التنفيذ، نهاية العام المنصرم.
يقول بوجمعة غشير، رئيس الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان: “كنا نعتقد أن سبب الغلق الإعلامي والسياسي الذي طبع المشهد السياسي في وقت سابق، سببه حالة الطوارئ، لكن تبين أن الأمر لم يكن كذلك، وهذا انعكس سلبا على ترقية الحريات “.
وتابع غشير في تصريح لـ الشروق: “المشكل الحقيقي وراء الأزمة التي تعيشها البلاد، سببه ثقافة النظام، الذي لا زالت يسيّر البلاد بعقلية حالة الطوارئ، التي رفعت في واقع الأمر، لكن ثقافتها لا زالت مستحكمة في عقول من يدير شؤون البلاد.. للأسف لا زال المنطق الأمني مُغلّبا على النهج السياسي المدروس”.
وكانت السلطة قد اضطرت إلى رفع حالة الطوارئ في 23 فيفري 2011، بعد 19 سنة من العمل بها، بموجب مرسوم، وجاء ذلك بعد أسابيع قليلة من اندلاع احتجاجات الزيت والسكر التي ألهبت الشارع، في وقت بدأت فيه عروش الأنظمة الديكتاتورية تتهاوى.
وأوضح الحقوقي: “القانون يتحدث عن منع المسيرات في العاصمة فقط، لكن التضييق امتد ليشمل كافة ولايات الوطن. فالولاة لا زالوا يرفضون الترخيص للتجمّعات والمسيرات بحجج واهية.. إن السلطة لا زال يسكنها هاجس احتجاجات جانفي2011، التي كادت تلحق الجزائر بدول الربيع العربي”.
ولاحظ غشير: “الغلق السياسي والإعلامي المسلط على الجزائريين، شد انتباه مقرري الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذين وجهوا انتقادات للنظام في الجزائر، غير أن السلطة لم تقدم مبررات مقنعة وإجابات شافية لتساؤلات وانتقادات المقررين الأمميين“.
وخلص المتحدث إلى القول: “الرئيس لم يطلق إصلاحات. هو قنّن بعض الممارسات في الأحزاب والجمعيات، وللأسف هناك تراجع في منسوب الحريات في القوانين التي عُدّلت مؤخرا، والدليل على ذلك ماثل في المجلس الشعبي الوطني، الذي أفرزته انتخابات العاشر ماي المنصرم، إنه يعتبر أسوأ مجلس في تاريخ الجزائر المستقلة”، يضيف غشير.
ويعترف الأستاذ فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، بأن القوانين المنبثقة عن الإصلاحات السياسية التي أطلقها رئيس الجمهورية، لم تأت بما كان يتمناه الجزائريون في مجال توسيع الحريات وتكريس المبادئ الديمقراطية، وقال قسنطيني: “حقيقة هناك نقص.. هناك تضييق على الحريات الفردية والجماعية. ما زالت الأمور لم تصل بعد إلى ما كنا نتمناه، علينا الاعتراف بأن الذي تحقق لم يتعد سوى نصف ما كنا نأمله، وهذا من شأنه أن يُغضب المواطن بالطبع“.
وأضاف رئيس اللجنة التابعة لوصاية رئاسة الجمهورية، في اتصال مع الشروق: “النصوص القانونية التي تضمن حماية الحريات موجودة في تشريعاتنا، ويمكن القول إن قوانينا تضاهي حتى نظيراتها في الدول العريقة ديمقراطيا، لكن تجسيدها على أرض الواقع يبقى النقطة السوداء.. لست أدري أين المشكل؟
وانتقد المتحدث المشهد السياسي بعد العاشر ماي، والذي أفرز وضعا قد يضر بسمعة البلاد، وقال: “أنا صوت كغيري من الناخبين في التشريعيات، ولاحظت الجزائريين وقد تصرفوا بكل حرية، لكن حزب جبهة التحرير الوطني، فاجأ الجميع بنتائجه. وأنا كمواطن بسيط قد أغضب لأن الأمور لم تسر وفق ما كنت أتمناه”.