-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

غزّة انتصرت.. رغم أنوف المرجفين!

سلطان بركاني
  • 630
  • 0
غزّة انتصرت.. رغم أنوف المرجفين!

ابتهج المسلمون في مشرق الأرض ومغربها في الأيام الماضية، وهم يرون إخوانهم في قطاع العزّة غزّة يخرجون فرحين بأملٍ بدا في الأفق لإنهاء الحرب الصهيونيّة الجائرة عليهم. وحُقّ لهم أن يفرحوا وقد صمدوا عامين كاملين وصبروا واحتسبوا عند الله ما أصابهم من لأواء وما فقدوا من شهداء وما أحصوا من أشلاء. حقّ لهم أن يفرحوا وقد اضطرّ عدوهم وعدوّ الأمّة لأن يرضخ للمفاوضات صاغرا، بعد أن عجز عن تحقيق أيٍّ من أهدافه التي وعد بها عند بداية العدوان.

لم يجد الصهاينة بُدّا من الرّضوخ أمام ثبات رجالٍ لم يعطوا الدنية في دينهم وقضيتهم، وقدّموا للأمّة وللعالم كلّه درسا من نور في العزّة والصّمود أمام غطرسة العدوّ.. كانت لحظة من أغزر اللحظات عزّا، حينما وقف قائد المقاومة الإسلامية حماس، الأستاذ خليل الحية، ليقول إنّ المقاومة انتصرت بالحصول على ضمانات بإنهاء الحرب، وتحرير 250 من المقاومين المحكوم عليهم بالمؤبد وتحرير كل النساء والأطفال و1700 أسير، وفتح المعابر والانسحاب ووقف القصف الصهيونيّ.

الصّهاينة يعترفون بأنّهم وجدوا أنفسهم في الحرب أمام رجال لا يهابون الموت ولا يرضخون للتهديدات والمساومات ولا يقبلون الدنيات، وألْفوا أنفسهم في المفاوضات أمام رجال أصحاب وعي وذوي حنكة وثبات يستعصون على المراوغات.. وساسة الاحتلال يلوم بعضهم بعضا ويلعن يسارهم يمينهم أنّهم لم يحقّقوا شيئا من أهداف الحرب. ولكنّ المرجفين في أمّتنا الذين يستقبلون قبلتنا ويتكلّمون بألسنتنا، يأبون إلا أن يطعنوا المقاومة وهي تخوض غمار المفاوضات كما طعنوها من قبل وهي تخوض غمار المعارك في الجبهات.. لم يستطيع المرجفون أن يكتموا غيظ قلوبهم على رجال الأمّة وهم يعلنون انتصارهم، وأبوا إلا أن يعيدوا سيرة ابن سلول ومن معه ممّن قال الله فيهم: ((إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)).

إذا كان المرجفون لا يقبلون كلام رجال المقاومة، فلعلّهم يرفعون رؤوسهم باعترافات الصهاينة الذين صرّح وزير خارجيتهم قائلا: “ليست لدينا أي نية لتجديد الحرب”، وقال وزير ثقافة كيانهم المهزوز: “علينا أن نمضي قدما في الاتفاق حتى لو دفعنا ثمنا باهظا”، وقال وزيرهم للأمن القوميّ إيتمار بن غفير: “إطلاق سراح آلاف الإرهابيين ثمن لا يطاق”، وقال أحدهم وهو يصرخ مقهورًا بعد إعلان الاتفاق: “هذه نهاية اليمين في إسرائيل، هذه نهاية نتنياهو وبن غفير وسموتريتش! ونهاية مشروع المستوطنات! لا احتلال للأرض، ولا هجرة طوعية من غزة، ولدينا 20 ألف جندي ومدني فقدوا أطرافهم وأعينهم في 7 أكتوبر، وهذه الحـرب كلفتنا 600 مليار شيكل! هل تدركون حجم هذا الرقم؟”!

ألا يتساءل هؤلاء المرجفون، بينهم وبين أنفسهم: هل أخذ الكيان المحتل أسراه بالقوة كما وعد وتوعّد؟ هل استطاع الكيان احتلال غزة والبقاء فيها؟ هل استطاع تهجير أهل غزة كما توعّد؟ هل قضى المحتلّ على حماس؟ هل أخذ من المقاومة سلاحها؟ الإجابة في كلّ هذا هي: لا.

في المقابل: المقاومة استطاعت أن تحرّر أكثر من 4000 أسير، وهي الآن تفاوض بعزّة وثبات لتجبر المحتلّ على فك الحصار وفتح المعابر، وستجبره –بإذن الله- على الانسحاب من غزة على مراحل، وترغمه هو وأولياءه على التكفل بإعادة الإعمار.. رجال الأمّة دمروا أكثر من 3000 آلية ودبابة، وقتلوا أكثر من 1500 جنديّ صهيونيّ، وأحالوا أكثر من 40 ألف آخرين على التقاعد بسبب الإعاقة، وأورثوا أكثر من 80 ألف صهيوني أمراضا نفسية مستعصية، وأجبروا مئات الآلاف من الصهاينة على مغادرة الأراضي المحتلة، وتسببوا في انهيار الاقتصاد الصهيوني.. المقاومة جعلت الكيان الصهيونيّ منبوذا في العالم حتى قال ترامب إنّ إسرائيل لا تستطيع أن تواجه العالم كلّه! المقاومة أسقطت القناع عن وجه المحتلّ الصهيونيّ الذي كان يتظاهر بأنّه شعب مظلوم يبحث عن أرض يعيش فيها بسلام، ليتبيّن أنّه كيان مجرم يجوّع الأطفال ويقتل الشّيوخ والنّساء.. المقاومة جرجرت قادة الكيان إلى المحاكم الدولية لتَصدر ضدّهم مذكّرات الملاحقة. واستطاعت بعون الله أن توقف قطار التطبيع الذي انطلق بسرعته القصوى في الأعوام التي سبقت طوفان الأقصى. وأمكنها القبض على عملاء المحتلّ في غزّة.. المقاومة رفضت أن تتولّى إدارةَ القطاع شخصيات غير فلسطينية، ورفضت أن يتدخّل الاحتلال الصهيونيّ في إدارة شؤون غزّة، وقدّمت مقترحا بـ40 اسما لتولّي إدارة القطاع…

المرجفون الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا، ولا يدركون أنّ من أهمّ بوادر النّصر أن تحول بين عدوّك وبين تحقيق أهدافه، والأهمّ من ذلك أن تبقى ثابتا على دينك ومبادئك حتى تلقى الله.. هؤلاء المرجفون لا يتحدّثون هذه الأيام إلا عن 66 ألف مسلم قتلهم الصهاينة في غزّة، ولا ينشرون سوى صور الدّمار الذي ألحقه الصهاينة بالقطاع، ليتوصّلوا إلى إنكار ما حققه الرجال في أرض العزّة.. وهؤلاء لو اتبعت الأمم والشعوب منطقهم، ما قامت ثورة ولا عُقد لواءٌ للمقاومة ولا تحرّر شعب.. بل لو اتبعنا منطقهم هذا لقلنا إنّ أصحاب الأخدود الذين قصّ القرآن خبرهم في سورة البروج قد هزموا شرّ هزيمة.. أصحاب الأخدود كانوا يأكلون ويشربون في أمن وأمان ورخاء واطمئنان، في أرضهم بنجران، حتّى كان ذلك العام (حوالي 40 سنة قبل ميلاد النبيّ محمّد –صلّى الله عليه وسلّم-) حين أتاهم الغلام المؤمن، فاتبعوه، فكان جزاؤهم في الدنيا أنهم أُحرقوا في النار رجالا ونساءً وشيوخا وأطفالا.. بمنطق الدنيويين فالغلام المؤمن تسبّب في مجزرة من أبشع مجازر التاريخ الإنسانيّ في حقّ قومه، ولكن بمنطق القرآن: فقد كان سببا في إيمان الآلاف ودخول الجنّة، وطوفان الأقصى أيضا كان سببا في دخول عشرات الآلاف من النّاس في دين الله.. بمنطق المرجفين: أصحاب الأخدود قد هزموا. لكن بمنطق الإيمان والقرآن فقد انتصروا أعظم انتصار. وأيّ انتصار أعظم من أن تكون تلك الحفر التي ألقيت فيها أبدانهم الفانية هي أبوابهم لدخول أرواحهم الباقية جنات تجري من تحتها الأنهار؟!

لو اتّبعنا منطق المرجفين الذين يزِنون النصر والهزيمة بحساب الأرواح التي ارتقت، فإنّنا سنقول إنّ ماشطة بنات فرعون كانت مخطئة فيما فعلت، حينما جهرت بإيمانها وتحدّت فرعون، فكان جزاؤها في الدّنيا أنّها عذّبت برؤية أبنائها يلقون في الزّيت المغليّ، ثمّ ألقيت هي الأخرى لتلقى مصيرهم.. النهاية في الدّنيا محزنة، لكنّها في الآخرة مفرحة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!