-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

غضبٌ وسُخط!

نصر الدين قاسم
  • 2310
  • 4
غضبٌ وسُخط!

“الأغلبية الصامتة” مصطلح سياسي عادة ما يطلق على نسبة الغائبين أو المتخلفين عن المشاركة السياسية.. وغالبا ما يحدد عددهم بالنظر إلى نسبة الممتنعين عن الانتخاب في استحقاق ما، لكن لا يمكن الجزم بأنهم يشكلون كتلة بشرية منسجمة سياسيا، تعبر عن موقف سياسي معين أو أنها استقالة جماعية من متابعة الشأن السياسي لأسباب سياسية وممارسات غير ديمقراطية، أو أنها كم بشري هائل لا يهتم بالسياسة ولا يمارسها ولا علاقة له بتداعيتها.. الأكيد في كل ذلك أنها مظهر اجتماعي له علاقة وطيدة بالعمل السياسي بطريقة أو بأخرى في مختلف دول العالم…

فإذا كان تفسير الظاهرة في الدول الديمقراطية الغربية على أنه عزوف اطمئنان لا عزوف احتجاج، فإنه في الجزائر وبالنظر لتطورات هذه الظاهرة لا يمكن الحديث إطلاقا أنه تعبير عن اطمئنان، فهو موقف سياسي عموما أكثر منه عدم اهتمام بالشأن السياسي… وهو في كلتا الحالتين مسؤولية يتحملها النظام لأنه يعكس عجزا سياسيا من لدن السلطة وقصورا منها.. إما بتنفير الناس من تعاطي السياسة وتيئيسهم بسبب استبدادها وديكتاتوريتها وإقصاء جزء من مواطنيها ومصادرة إرادتهم، وإما بالفشل في إقناع الجزائريين بأهمية مشاركتهم السياسية ومساهمتهم في اختيار حكامهم ونظامهم وتحديد مستقبلهم.

وإذا استندنا إلى الاستحقاقات الانتخابية كمعيار لقياس نسبة وحجم هذه الأغلبية، رغم أن هذا المعيار غير دقيق لما يشوبه من تضخيم لنسب المشاركة خدمة لترتيبات سياسية ورسائل للتغطية عن واقع الديمقراطية والحريات السيئ في الجزائر، فإننا نَخلص إلى التأكيد بأن الأغلبية الصامتة هي حقا موقف رفض وغضب وسخط على النظام وممارساته، إذ ما انفكت جبهة الأغلبية الصامتة تتعاظم منذ وقف المسار الديمقراطي وإلغاء التشريعيات سنة ألف وتسعمائة واثنتين وتسعين، وبلغت ذروتها في تشريعيات عام ألفين وسبعة، عندما يئست فئة أخرى من جدوى الممارسة السياسية، لتصل نسبة العزوف- حسب الأرقام الرسمية طبعا- إلى أربعة وستين في المائة من الهيئة الناخبة، أي أكثر من اثني عشر مليونا من أصل واحد وعشرين مليون ناخب، والحقيقة أن نسبة العزوف الفعلية حسب الكثير ممن تابعوا الاستحقاق تتجاوز هذا الرقم بكثير.. 

أما عن تركيبتها البشرية الاجتماعية والثقافية، فمن الصعوبة بمكان الجزم بأنها تتكون من المثقفين فقط أو من الدهماء، أو من النساء أكثر من الرجال. لكن بالنظر إلى هؤلاء الذين عادة ما يتوجهون إلى صناديق الاقتراع وتتفنن كاميرات اليتيمة في حشرهم أمام أبواب مراكز الاقتراع في المناطق النائية وبعض الولايات الداخلية وأغلبهم من الشيوخ والعجائز وبعض الناس البسطاء الذين يعتقدون أن عدم الانتخاب قد يعرض صاحبه للعقوبة، فإنه يتضح أن “الأغلبية الصامتة” تتكون في غالبيتها أولا من سكان المدن الكبرى، خاصة العاصمة والبليدة عنابة وغيرها، وبنسبة كبيرة من الشباب ثم من المثقفين… وهذا مؤشر آخر على أن”الأغلبية الصامتة” فعل إرادي يحمل رسالة سياسية وموقف إدانة للنظام وسخط على السلطة… 

الأغلبية الصامتة في الجزائر إذن هي إدانة وتنديد بممارسات السلطة، بأسلوب آخر، أسلوب الهجر الجميل الذي يعبر عن الغضب والسخط بالصمت، والصمت أبلغ وسيلة اختارها هؤلاء الصامتون لإيصال رسالتهم لنظام يرفض أن يسمع صوت الشعب حتى تتاح لهم وسيلة أخرى أبلغ تعبيرا، وأصدق إنباء من الصمت..  

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • محمد ب

    إن عزوف الجزائريين عن المشاركة في مختلف الانتخابات منذ الاستقلال سببه استبداد السلطة القائمة بتعيين من ‏تختارهم لأي منصب دون اعتبار رغبة المجتمع وعدم احترام حق المواطنة لمن تحرر من الاستعمار.الدليل ‏القاطع لهذه الجريمة في حق الشعب هو إلغاء التصويت الوحيد الذي وقع بحرية تامة ومنع فئة مهما كان حكمنا ‏عليها في الفوز بثقة المنتخبين ومهما كانت المبررات.من يعتقد أن الشعب الأمي جاهل لحقوقه ومعنى حريته ‏يعتبر متسلطا وهاضما لإرادة المجتمع.يوم يعي هؤلاء حقوق الغير آنذاك يشارك كل الناس في فرحة حرية العبير.

  • ياسين

    يا حكيم انت تدعي الحكمة في حين انت بعيد عنها كل البعد..........
    ربطت مستقبل البلاد بفئة معينة من الشعب ...... ابناء الشهداء هم مجرد ضحايا فالكل يسعملهم و يشهر بهم اأغراضه الشخصية في حين انهم لم يستفيوا شيئا من هذه البلاد التي مات من اجلها ابائهم و لم يقفوا موقف الحياد لقد عانت هذه الفئة اثناء الستعمار وبعد الاستقلال بسبب المتجارة بوضعهم الاجتماعي فهم ضحايا ......
    لقد جانبت الحقيقة و ابتعدت عنها كل البعد يا حكيم.

  • ناصر

    الله يبارك مقال في الصميم شكرا لكم ..

  • حكيم

    السلام عليكم، للأسف ان تنتهي العبقرية الجزائرية الى هذا المستوى من التصرف والتفكير، نحن حررنا البلد ،وبالتالي البلد هو ملكنا لوحدنا ،ولن نخرج من هذا المأزق ،لان خلف المجموعة الحاكمة ،ابناء الشهداء وهم كثر ،وسوف نجدهم في وجوهنا كلما حاولنا التغيير نحو دولة ديمقراطية ،تسير بالكفاءات وليس بشهادة من ماضي الآباء ، من يستطيع ان يقنع هؤلاء القوم بان الدول لا تبنى بهذه الطريقة ،طريقة الاحتكار والإقصاء ، في حين الامم الاخرى استفادت من كفاءات أبناءها وكفاءات المغتربين ،