-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

غلق المجال الجوي في وجه الطائرات المغربية: الدوافع والرسائل.. والتداعيات

الأستاذ الدكتور حكيم غريب / الدكتورة جعفر صبرينة
  • 1646
  • 0
غلق المجال الجوي في وجه الطائرات المغربية: الدوافع والرسائل.. والتداعيات

لا يستطيع أحد أن ينكر تأزّم العلاقة السياسية والدبلوماسية بين المغرب والجزائر منذ عقود خلت إلى اليوم، وفي كل مرة تأخذ مدّا وجزرا إلى أن وصلت قبل أشهر إلى مستوى قطع العلاقات، وهو القرار الذي اتخذته الجزائر بشكل سيادي ونهائي، وهذا القرار لم يكن يصدر لولا تمادي المخزن في التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، ومما زاد الطين بلة ودفع بصانعي القرار في الجزائر إلى اتخاذ خطوات متتالية أمام إصرار المغرب على سياسيات الاستفزاز وإثارة الفوضى في المنطقة خاصة خرجة ممثل المغرب الدائم بالأمم المتحدة السفير عمر هلال، التي تحدّث فيها للمرة الثانية عن استقلال منطقة القبائل. المملكة المغربية لم تتوقف قط عن أعمالها العدائية ضد الجزائر بالإضافة إلى استخدام برنامج بيغاسوس للتجسس على مسؤولين جزائريين ودعم حركة انفصالية والتقاعس عن التزاماته الثنائية بما في ذلك بخصوص قضية الصحراء الغربية.

لذا قرّر المجلس الأعلى للأمن الغلق الفوري للمجال الجوي الجزائري على كل الطائرات المدنية والعسكرية المغربية، وكذا التي تحمل رقم تسجيل مغربيّا، ابتداء من يوم الأربعاء 22 سبتمبر 2021. هذا القرار هو الثالث الذي يصدر من أعلى سلطة من البلاد، ويأتي في ظل استمرار الاستفزازات والممارسات العدائية من الجانب المغربي، يأتي ذلك بعد أيام قليلة من قرار آخر اتخذته الجزائر، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، نتيجة ما وصفته بأفعال عدائية من قبل المغرب الذي يخيم التوتر على علاقتها به منذ عقود.

لا يبدو أن الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب ستجد طريقها إلى الحل على المديين القريب والمتوسط على الأقل، وقال وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، قبل أيام، إن قرار قطع العلاقات مع المغرب غير قابل للنقاش ولا رجعة فيه، في إشارة واضحة إلى رفض كل عروض الوساطة التي قدمتها بعض الدول لحل الخلاف بين البلدين وأبرزها من السعودية ومصر وموريتانيا.

أثار مشهد القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر ونظام المخزن عاصفة من القراءات والتساؤلات تمحوّر جلها حول الأسباب الحقيقية وراء إصدار القرار، وانقسمت آراء المراقبين بين مؤيد لقطع العلاقات بين البلدين ويعدّه عين الصواب، ورافض له ويراه خطيراً نظراً لحساسية التوقيت والظرف، ولكن في الحقيقة ان ممارسات المغرب تجاه الجزائر والقيام بالأعمال العدائية هي التي دفعت العلاقات إلى طريق مسدود.

في نظرة فاحصة لتاريخ العلاقات الجزائرية– المغربية نستخلص أن حالة التوتر بين المغرب والجزائر لم تكن وليدة اليوم وإنما لها امتداد تاريخي، حرب الرمال في أكتوبر من عام 1963 أهم فصولها، ومحاولات المغرب المستمرة في اقحام الجزائر كطرف في النزاع حول قضية الصحراء الغربية في مارس 1976 أبرز محطاتها، كما جاء قرار المغرب بفرض التأشيرة على الجزائريين في عام 1994 بعد اتهام الجزائر بضلوعها في أحداث مراكش، بمثابة آخر منعطف في مسار العلاقات الأخوية بين البلدين.

لتستقر العلاقات بعد ذلك على نوع من البرود ما لبث أن تحول إلى صراع محتدم بين المغرب والجزائر في ديسمبر 2020، عقب إعلان ترامب عن تطبيع المغرب مع الكيان الصهيوني مقابل اعرتاف أمريكا بـ”سيادته” على الصحراء الغربية.

بعد أن رفع الملك محمد السادس السرية عن مشروع تطبيع والده الملك الحسن الثاني غير المعلن، أطلق النظام المغربي حملة إعلامية شعواء ضد الجزائر وباشر في توظيف الآلة الإعلامية المغربية لتشويه رموز الدولة الجزائرية، وبثّ الادعاءات المغرضة، ورمي الدولة الجارة بتهم جزافية، في صورة من صور التحامل على الجزائر متحججاً في ذلك بدعمها للقضية الصحراوية ومساندتها للشعب الصحراوي في حق تقرير مصيره.

اعتمد النظام المغربي بشكل كبير على الهجوم على الجزائر لتوجيه أنظار الرأي العام المغربي عن قضية “التطبيع” المحورية، وحاول نظام المخزن بشتى الأساليب والأدوات تغييب حقيقة علاقته مع الكيان الصهيوني؛ كما أنّ فضيحة التجسس على شخصيات مدنية وعسكرية جزائرية باستخدام برنامج “بيغاسوس” الصهيوني لم تخفت بعد، وهذا كفيلٌ بخلق حالة من انعدام الثقة والتأزُّم بين البلدين ومن شأنه أن يعكر صفو علاقتهما.

ومما زاد الطين بلة تصريح وزير الخارجية الصهيوني يائير لابيد المعادي للجزائر من داخل الديار المغربية، الذي رافقه عدم رفض النظام المغربي انضمام الكيان الصهيوني للاتحاد الإفريقي كمراقب، وهو دليل على تحالف سياسي بين النظام المغربي والكيان الصهيوني. كما أن مساندة ممثل المغرب الدائم لدى الأمم المتحدة للمرة الثانية انفصال منطقة القبائل عن الجزائر ردا على دعم الجزائر لاستقلال الصحراء الغربية، ما هو إلا تأكيد لما تضمنه بيان وزارة الخارجية الجزائرية بخصوص استهداف المغرب لوحدة الجزائر وأمنها الوطني.

دور اللوبي الصهيوني

لا يخفى على أحد أن القوى المتحكمة بقواعد اللعبة السياسية العالمية قد وجّهت أنظارها إلى منطقة شمال إفريقيا بغرض تغيير الخارطة الجيوسياسية العالمية، وتصبو إلى فرض هيمنتها في المنطقة وبسط نفوذها على الشعوب المغاربية لتجسيد مشاريعها الكبرى.

وتندرج مساعي هذه القوى السياسية في إطار التأسيس لنظام عالمي جديد يكون فيه البقاء للقوي وبسط السلطة للأقوى، وتواجد الكيان الصهيوني في المغرب والذي رافقه تصريح وزير خارجيته المعادي للجزائر، ما هو إلا بداية سلسلة الاستفزازات لخلق البلبلة والتشويش على جهود الجزائر الحثيثة لتحقيق اتحاد الدول المغاربية وخلق موازين القوى في المنطقة.

بالعودة إلى جملة تصريحات مسؤولين مغاربة ووزير الخارجية الصهيوني لابيد يلاحظ من يستقرئ المتغيرات والمجريات السياسية بعمق أن سياسة النظام المغربي تجاه الجزائر عدائية وتستهدف استقرار البلد وتشكل تهديداً حقيقياً لأمنها الوطني، لذا يبقى الحذر واليقظة الأمنية والاستخباراتية مطلوبا خاصة في مثل هذه الظروف الصعبة والخطيرة من مخططات المغرب ومحاولاته الحثيثة لضرب وحدة الجزائر وضرورة أن يأخذ الشعب الجزائري المخططات الجهنمية التي تستهدف وحدة بلاده على محمل الجد، لقطع الطريق على كل المناورات، الحذر مطلوبٌ من جنون النظام المغربي الذي يقود المنطقة برمتها إلى ما لا يحمد عقباه، خاصة ان فصول المؤامرة ضد الجزائر بدأت تتضح للعيان، فلولا التطبيع بين النظام المغربي والكيان الصهيوني، لما تجرَّأ نظام المخزن على توزيع وثيقة رسمية على دول عدم الانحياز يطالب فيها بما يزعم أنه “حق تقرير المصير للشعب القبائلي”.

نظام المخزن هو من عمل على تسهيل انضمام الكيان الصهيوني إلى الاتحاد الإفريقي كعضو ملاحظ، وهو من يمارس مهام ملحقة دبلوماسية للكيان الإسرائيلي، إذ اشترى ولاءَ بعض الدول الإفريقية بالمشاريع الاقتصادية وقدّم رشوة لبعض الأفارقة لفتح الباب للكيان المحتل.

وكان جملة القرارات السيادية للجزائر القاضية بقطع علاقاتها مع نظام المخزن، وأخيرها وليس نهايتها قرّر المجلس الغلق الفوري للمجال الجوي الجزائري على كل الطائرات المدنية والعسكرية المغربية كفيلا بخلط أوراق الرباط التي تعلم بأنها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، خصوصا وأنها كانت تراهن على تمديد عقد مرور أنبوب الغاز الجزائري عبر المغرب نحو أوروبا، إذ كانت المملكة تستفيد من امتيازات خاصة، لكن يبدو أن عض الجارة الغربية لليد التي مُدَّت إليها منذ سنوات، لم تمنع الجزائر من مراجعة حساباتها، بما فيها الاقتصادية منها، في الوقت الذي كانت الرباط تتطلع لتجديد عقد التموين بالغاز. هذه الحسابات غير المدروسة للجانب المغربي الذي فضَّل الانغماس في غيِّه، ستجعله بلا شك أمام تحدي مواجهة المتطلبات الشعبية التي ستتصاعد في سياق ثورة الجياع الوشيكة، في الوقت الذي عانى ومازال يعاني فيه من آثار غلق الحدود بسبب القرارات المتهورة للمخزن، بعد اتهامه الجزائر بتنفيذ تفجيرات مراكش عام 1994 وفرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين، لترد الجزائر بالمثل مع غلق هذه الحدود.

ويبدو أن المخزن لم يستخلص الدروس، إذ راح يواصل سياسته التضليلية، متخفيا هذه المرة وراء ثوب “الصهيونية” التي يراهن عليها لتنفيذ أجندة مدروسة في المنطقة المغاربية بعد تطبيع علاقاته مع الكيان الصهيوني، الذي تجرّأ على تهديد الجزائر من أرض “شقيقة”، في سابقة تعدُّ الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات العربية– العربية.

 الآثار المترتبة على القرار

بدءا من يوم الأربعاء الفارط، أصبحت طائرات الخطوط الملكية المغربية خاصة، مجبرة على تغيير مسار رحلاتها التي تعبر الأجواء الجزائرية. ونقلت وكالة رويترز عن مصدر بالشركة أن هذا القرار سيؤثر على 15 رحلة فقط أسبوعيا نحو تونس وتركيا ومصر. وقلَّل ذات المصدر من الأضرار المادية التي يمكن أن تلحق بالشركة المذكورة، موضحا أن أثر ذلك غير كبير، وأن طائرات الشركة قد تغير مسارها لتعبر فوق البحر الأبيض المتوسط.

وحسب تحليلنا، فإنّ القرارات المتخذة من الجزائر هي رسائل سياسية ودبلوماسية تريد الجزائر إيصالها إلى الرباط، فالجزائر تريد إرسال الرسالة المناسبة إلى المغرب، أن هذه الخطوة كانت طريقة حضارية لإنهاء وضع كان يهدد بدفع البلدين إلى مسار غير مرغوب فيه خاصة في ظل استمرار المغرب تاريخيا، بالقيام بأعمال غير ودية وأعمال عدائية ودنيئة ضد بلدنا وذلك منذ استقلال الجزائر في 1962.

وحسب تصوُّرنا، فإنّ التصعيد سيستمرّ لكن لا أحد يعلم إلى أي مدى يمكن أن يصل في الأيام القادمة رغم أن قرار الجزائر كان صائبا وله دوافعه الأمنية والوطنية وسيادياً وصارماً، والتفكير في أي مبادرة مهما كانت طبيعتها يعتبر اختزالياً وسطحياً خاصة أن نظام المخزن قد ذهب بعيدا في حلمته العدائية فبات هو الوكيل الرسمي للكيان الصهيوني في المنطقة المغاربية، وهذا ما يتعارض مع سياسية حسن الجوار وعدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول ويتعارض بصفة مباشرة مع المبادئ والاتفاقيات التي تهيكل وتلهم العلاقات الجزائرية المغربية، فضلاً عن كونه يتعارض بصفة صارخة مع القانون الدولي والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي.

ونختم مقالنا هذا بالتصريح القوي والرسالة النارية الموجّهة إلى المخزن ومن ورائه الكيان الصهيوني المحتل حين قال وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، إنّ المغرب “لم يتوقف يوماً عن القيام بأعمال غير ودّية وعدائية ودنيئة ضدّ بلدنا وذلك منذ استقلال الجزائر في 1962”.

ونحن نقول كذلك لن يتوقف نظام المخزن مادام يرمي بنفسه في حضن الشيطان، والقرارات الجزائرية القادمة ستكون بمثابة رصاصة الرحمة في جسد نظام المخزن الغربي الذي يبدو أنه يعيش أيامه الأخيرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!