الفنان محمد الجبالي: الغناء في ذكرى وفاة وردة بالجزائر وسام على صدري
يعترف بأنه خلال 40 سنة غناء لم يشعر بالراحة، ويؤكد أن الجمهور لا يعرف عن تاريخه سوى عشرين في المئة فقط. الفنان التونسي الكبير محمد الجبالي، كان في زيارة أخيرة إلى الجزائر والتقت به الشروق العربي، فتحدث إلينا عن سر نجاح أغنيته “أحيت.. احيت”، وغنائه بذكرى وفاة السيدة وردة الجزائرية ضمن اختتام فعاليات “مهرجان الموسيقى والأغنية الحضرية” بعنابة. هذا، إلى جانب حديثه عن البرامج الغنائية ورأيه في كيفية انتشار الموسيقى والأغنية التونسية بشكل أكبر.
أبحث عن ألوان موسيقية مختلفة أبتعد بها عما قدّمته من قبل
الشروق: كيف ترى مشاركتك هذا العام في “مهرجان الموسيقى والأغنية الحضرية”؟
_ من دون مجاملة، أرى أن لمشاركتي في المهرجان وتكريمي بالجزائر نوعاً من الخصوصية والتميز والسحر الخاص، وأحاول في كل مرة أتواجد في هذا البلد، ألاّ أكرر نفسي، وأن أكون مختلفاً عن المرة السابقة، حيث إنني في هذه الدورة من المهرجان غنّيت أغنيتي الجديد التي تحتل الصدارة بتونس، وبعض الدول العربية، ولم أقدّمها من قبل للجمهور. كما سعدت كثير بغنائي لوردة بذكرى وفاتها وببلدها الأم. وهذا، وسام على صدري.
الشروق: شعر الكثيرون بأنك “سلطنت” في الغناء بالمهرجان خاصة بغنائك للسيدة وردة الجزائرية، ما تعليقك؟
_ بالفعل، شعرت بنوع من “السلطنة” وأنا أؤدي أغنية حرمت احبك، والفضل في ذلك يعود للفرقة الموسيقية، وأيضاً إلى الحشد الجماهيري الذي حمّسني على تقديم المزيد من الأغاني.
الشروق: هل توقعت كل هذا النجاح لأغنية “أحيت.. احيت” بعد تحقيقها نسبة عالية من المشاهدات بمجرد صدورها؟
_ توقعت أن تنجح الأغنية منذ الانتهاء من تسجيلها، لكن ليس بهذا الشكل، وفوجئت بتحقيقها نسبة مشاهدات عالية جدا عبر السوشيل ميديا بمجرد طرحها. فهذا توفيق من الله، وسعُدت بتعليقات زملائي الفنانين على الأغنية، وكذلك رسائل الجمهور التي تشيد بها.
الشروق: ما الذي جذبك في الأغنية؟
_ أبحث منذ فترة عن ألوان موسيقية مختلفة أبتعد بها بعض الشيء عما قدّمته من قبل.
الفن الراقي تحول إلى تجارة وبات خالياً من المحتوى الموسيقي الحقيقي
واجبي كفنان له تاريخ فني عريق أن أحافظ على المستوى الراقي لفنّنا
الشروق: كيف تتعامل مع النقد بعد خبرتك الفنية والإنسانية خاصة بعد صدور أغنيتك الأخيرة “أحيت.. احيت” و”لمي عسولك”؟
_ لا أنزعج من النقد البنّاء، الذي يهدف إلى تطوير فنّي، كما أحرص على الانتقاد الذاتي في سبيل تحسين أدائي وتقديم الأفضل لجمهوري. وبكل الحالات، يكفي تقبل الجمهور لما أطرحه، خاصة أغنية أحيت أحيت، التي حاولت تقديمها بعدة لهجات بين التونسي والجزائري والمغربي..
الشروق: تاريخك الفني يحمل مزيجاً من موسيقى التراث التونسي والأغنيات الإيقاعية وأخرى ذات طابع عاطفي شرقي طربي، ما هي معايير اختيارك للأغنيات في حفلاتك الموسيقية؟
_ لي أغنيات أحرص على تقديمها في كل حفلاتي… والجمهور دائماً يطلبها مني، حتى وإن لم تكن موجودة في برنامجي للحفل، وكذلك مكان إقامة الحفل، ففي الجزائر مثلا، وبالضبط بعنابة، الجمهور يحب الاستماع إلى الأغنيات الخفيفة ذات الإيقاع التونسي المغاربي، فلكل مقام مقال، وفي حفلات الصيف أقدّم المزيد من الأغنيات الإيقاعية التي تناسب الأجواء المبهجة.
الشروق: هل لديك هاجس داخلي وخوف من ألاّ تحقق أغنية جديدة لك النجاح في ظل انتشار موجات غنائية غريبة في السنوات الأخيرة؟
_ أشعر أحياناً بالخوف حيال هذا الأمر، لذلك أبحث دائماً عن الجديد في ما أقدّمه موسيقياً وفنياً، وبالطبع، لا يمكن أن تنجح كل الأغنيات بالدرجة نفسها، فثمة أغانٍ معينة أتوقع أن تحقق نجاحاً مبهراً وصدى كبيراً، لكن هذا لا يحدث، والعكس الصحيح.
الشروق: صراحة، هل يزعجك نجاح أغنية معينة لأحد الأصوات الموجودة التي لا تملك موهبتك الغنائية؟
_ أشعر بانزعاج كبير من ذلك، لأنني أخاف على ذائقة الجمهور ومستوى الفن نفسه. أرى أن هذا الفن الراقي قد تحول إلى تجارة بحتة وبات خالياً من المحتوى الموسيقي الحقيقي والمحترم. لذا، من واجبي كفنان له تاريخ فني عريق وحافل بالنجاحات، أن أحافظ على المستوى الراقي لفنّنا، الذي اعتاد الجمهور سماعه منّي.
على الفنان أن يبحث عن أسباب عدم نجاحه حتى يكون له مشروع فني ناجح
الشروق: هل تُشبع الأغنية “السينغل” مطرباً يملك موهبة كبيرة مثلك؟
_ يجب أن نواكب تطور العصر، الذي بات يفرض علينا واقعاً يفضّل فيه الفنان الأغنية المنفردة على الألبوم الغنائي الكامل. لكن شخصياً، الأغنية “السينغل” لا تُشبعني فنياً مثل الألبوم أو الـ”سي دي”.
– برأيك، هل بات نجاح المطرب صعباً اليوم مقارنةً بالسنين الماضية رغم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟
_ نعم، فإن الكم المعروض أصبح هو الغالب، وليس شرطاً أو أمراً ضرورياً الاهتمام بالمحتوى الفني المقدَّم إلى الجمهور، وهذه كارثة حقيقية نعيشها حالياً في المجال الموسيقي، كما بات من السهل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق الانتشار. لذا، على الفنان الذي يملك موهبة وصوتاً جميلاً أن يؤمن بضرورة أن تكون له تجربة فنية ثرية، ولا يعتقد بأن الجمهور سيحبّه بسرعة لمجرد نجاح أغنية له، فقد لا يحقق النجاح مرة أخرى. لذلك، يجب أن يبحث الفنان دائماً عن أسباب عدم نجاحه حتى يكون له مشروع فني ناجح بمرور السنوات.
الشروق: ما الذي تضيفه إليك مواقع التواصل الاجتماعي؟ وما الذي تأخذه منك؟
_ لمواقع التواصل الاجتماعي سلبيات وإيجابيات، فهي وسيلة مهمة لي كفنان في اختصار خطوات معينة وتسهّل التواصل بيني وبين جمهوري، وفي الوقت نفسه، تسلبني حريتي وخصوصيتي، بحيث يقتحم الكثيرون من خلال السوشيال ميديا حياتي الخاصة ويتدخّلون في تفاصيلها.
الشروق: هل تنوي استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي في أعمالك؟
_ الذكاء الاصطناعي بالنسبة إليّ تكنولوجيا خطِرة، بحيث تتفوق سيئاتها على حسناتها، وأتمنى أن يكون هناك وعي في طريقة الاستخدام، لذلك، لم ولن ألجأ إلى هذه التقنية في أعمالي الفنية على الأقل في الوقت الحالي.
ما يعرفه الجمهور عني لا يتجاوز العشرين في المئة من تاريخي الحقيقي
النجومية ليست بالمال ولا بالحراسات الخاصة لكن بالأعمال الصادقة الناجحة
الشروق: برأيك، هل الفن التونسي مظلوم؟
_ الفن التونسي ليس مظلوماً، وتونس بلد مليء بالمواهب والأصوات الجميلة، ولكن المشكلة أننا نفتقر إلى شركات الإنتاج، فالأمر يحتاج إلى تدخل الدولة لتقديم الدعم المادي من أجل تأسيس أكاديمية احترافية تضم مواهب من كل الأعمار.
الشروق: ألا ترى أنك ظلمت نفسك بتقديمك الأغنية التي تحمل قضية فق؟
_ ما يعرفه الجمهور عن محمد الجبالي لا يتجاوز العشرين في المئة من تاريخي الحقيقي، لأنني ومنذ انطلقت بمشوار الغناء والفن، لا أبحث عن موقع في هذه الساحة، وإنما عن عمل وموقف يذكرني به التاريخ، فأنا أقدم الأغنية التي تحمل قضية حتى إذا استمع إليها الإنسان بعد مئة سنة يعرف ماهية الأعمال القيّمة التي قدّمها أجداده، لقد اخترت هذا المجال وأنا مقتنع به، وعندما أنظر إلى نفسي في المرآة لا أخجل، ولذلك، سأقدم دائماً في كل أعمالي الأغنية التي تلامس أخي الإنسان.
الشروق: ما رأيك في برامج اكتشاف المواهب الغنائية التي تصنع نجوماً في الغناء خاصة وأنت خريج برنامج غنائي؟
_ لا أحد يصنع نجماً، لكن النجم هو الذي يصنع تاريخه بنفسه، فالبرنامج يعد خطوة، ولكنَّ نجاحه وبقاءه في عالم الفن يتحددان من خلال مواقفه وأعماله الفنية والغنائية، التي يقدمها ويخدم بها البشرية والإنسانية، فالنجومية ليست بالمال ولا بالحراسات الخاصة والصور المعلقة في الشوارع والمدن، لكن بالأعمال الصادقة الناجحة التي سيذكرها التاريخ لك بعد أن ترحل، فالنجوم كثيرون، لكن الذين يتركون بصمة في تاريخ الأغنية العربية قليلون للغاية.