-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

غياب الحركة الاسلامية العربية.. لمصلحة من؟

صالح عوض
  • 1990
  • 0
غياب الحركة الاسلامية العربية.. لمصلحة من؟

نشأت الحركة الإسلامية العربية في ظرفٍ استثنائي في تاريخنا المعاصر لتملأ فراغاً أحدثه سقوط الشرعية السياسية ممثلة بالخلافة العثمانية.. وترافق ميلاد الحركة الاسلامية المعاصرة مع تكوّن تيارات القومية والاشتراكية، الأمر الذي فرض عليها الصراع مبكرا مع التيارات الايديولوجية.

 تحلّت الحركة الاسلامية العربية منذ البداية بروح تجديدية وثورية أحيانا في التعامل مع الثورات، وأحيانا مع التفسيرات والتأويلات، وحاولت جهدها أن تذهب إلى النبع الصافي متحرّرة من أثقال الاختلافات المذهبية والفقهية، معلنة أنها مشروع أمة يعتمد على أسس وحدة الأمة وضرورة استئناف الاسلام في حياتها.

وتقدّمت الحركة الاسلامية على أكثر من صعيد تتصدى للعلمانية والتغريب والتفسخ الأخلاقي والقيمي، فقدّمت بذلك تيارا اجتماعيا سياسيا يحمل منظومة أفكار وقيم، وقد انتشرت في الجامعات والأماكن الأكثر ثقافة وعلما لتصبح هي الشريحة الأكبر والأبلغ قوة في شباب العرب.. واستطاعت الحركة الاسلامية أن تنشر مفاهيمَ وثقافة تصالحية، وأن تشكل مرجعية أخلاقية في أوساط شباب الأمة.

ولكن الحركة الاسلامية لم تسلم في أية مرحلة من المؤامرات التي وجدت في عدم تكوينها تكوينا سياسيا متمرّسا الفرصة في إساقطها المرة تلو الأخرى.. وبرغم إصرارها على عدم الخروج عن نهج السلمية في أكثر من مكان، إلا أنها لم تستطع تجنّب الضربات القوية التي وُجِّهت إليها في أكثر من مكان.. وهنا ليس مجال تشخيص الحالة الاسلامية وتقييم تجربتها، إنما نريد أن يتركّز الحديث على الآثار التي نجمت عن غياب الحركة الاسلامية العربية.

عندما تمّ تغييب الحركة الاسلامية في سوريا مثلا، في ظل حكم البعث القومي، نشأت تيارات التطرف السلفي والانغلاق الاسلامي المتشددة والمتنطعة، والتي تردّ على قمع النظام بعنف، وعلى توحّش علمانيته بتطرف وتكفير.. والمثال السوري ينسحب على العراق وتونس وليبيا؛ أي أنه كلما تمّت محاصرة الحركة الاسلامية المعاصرة ودفعها إلى السجون أو النفي، نشأت تياراتُ التكفير والتشدد والعنف وحمل السلاح…

 انسحاب الحركة الاسلامية من مَهمّات تعميق تديّن المجتمع بالرفق المبني على تسامح الإسلام ورحمته، تولّدت عنه حاجة طبيعية للمجتمع نحو التديّن، فلم يجد أمامه إلا السلفية الوهابية كما حصل في تونس.

لم تتصدّ الحركة الاسلامية للعلمانية فقط، بل أيضا -وهذا الأهم- أنها واجهت الأفهام المتطرّفة والسّطحية التي يروّجها شباب نصف متعلم يستوردها معلّبة من شيوخ حرفيين من دول الخليج.. وهكذا كان حضور الحركة الاسلامية في المجتمع ضرورة وذا أهمية قصوى؛ إذ كيف يمكن مواجهة الأفكار الدينية المغلقة والمتشددة بدون أفكار ورؤية إسلامية ناضجة ومستنيرة؟

وللحق، فهناك سببان مباشران في غياب الحركة الإسلامية عن حركة المجتمع، الأول: يتمثل في دور النظام السياسي العربي الذي طالما كان مشبّعا برؤية إيديولوجية تجعل صدامه مع الحركة الاسلامية قدرا مقدورا.. والثاني يتمثل في إخفاقات الحركة الاسلامية عن قيادة مجتمعاتها ودولها قيادة رشيدة تفاعلية.. فكان انهماكها أحيانا في بعض المواقع في شؤون تبعد بها عن نشر المفاهيم والثقافة الإسلامية، فأصبح المكانُ خالياً لمن يملأه، فتقدّمت تياراتُ السلفية بمدارسها المختلفة.

أكيد أن هناك قِصر نظر في الحكومات التي تآمرت على الحركة الاسلامية، ذلك لأنها أحدثت فراغا لم يملأه إلا التطرّف.. هي تجربة متكرِّرة منذ ما يقارب القرن في أكثر من بلد عربي.. ولكن أيضا غاب عن الحركة الاسلامية في الوطن العربي خصوصية مهماتها.. إذ أنه لا وجود لمرجعيات دينية ملزِمة في المجتمع إلا الحركات الاسلامية وعلماء الدين في بعض البلدان.. من هنا فإنَّ انسحاب الحركة الاسلامية من مَهمّات تعميق تديّن المجتمع بالرفق المبني على تسامح الإسلام ورحمته، تولّدت عنه حاجة طبيعية للمجتمع نحو التديّن، فلم يجد أمامه إلا السلفية الوهابية كما حصل في تونس.

غياب الحركة الاسلامية العربية التي يقوم منهجها على الرفق والرحمة والدعوة بالحسنى، تم لعدة أسباب، منها الموضوعي ومنها الذاتي، وبالنظر إلى النتائج الوخيمة لغياب الحركة الاسلامية يمكننا القول إن وجود الحركة الاسلامية وقيامها بدورها الدعوي المنظم وانكبابها عليه، من شأنه الحفاظ على المجتمع، بشرط ألا يُزجّ بالدعوة في تقلبات السياسة والمصالح الحزبية.

 

الحركة الاسلامية العربية التي عملت على تثوير الفكر الاسلامي حلّت إشكالياتٍ عديدة أهمها القومي والمذهبي، فلقد كانت انطلاقتها قائمة على توحيد الأمة بكل فِرقها ومذاهبها؛ فلا طائفية ولا قومية ولا جهوية، إنما هي أمة واحدة، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم.

الحركة الاسلامية العربية التي عملت على تثوير الفكر الاسلامي حلّت إشكالياتٍ عديدة أهمها القومي والمذهبي، فلقد كانت انطلاقتها قائمة على توحيد الأمة بكل فِرقها ومذاهبها؛ فلا طائفية ولا قومية ولا جهوية، إنما هي أمة واحدة، والله عمل بمن اهتدى وإن أكرمكم عند الله أتقاكم.. وهي في هذا كله إنما ترسي مبادئ الشخصية العربية الاسلامية بتوازن وفاعلية غير متمركزةٍ على أقوال الرجال في الفقه والدين، إنما مع روح التجديد والفهم العميق.

من هنا بالضبط يعاد السؤال مجددا على الحركة الاسلامية المعاصرة: هل يمكن تشكيل المرجعية الدينية من جديد، بحيث يتمّ دحض الفكر المتطرف والأفهام المتشددة من الساحة وجعلها نشازا كما ينبغي لها؟ وهل أدركت الأنظمة القمعية والبوليسية خطورة الهجوم على الحركة الاسلامية وإخراجها من المسرح لأن ذلك يعني بوضوح أن هناك قوى ستملأ الفراغ ستكون أقوى وأكثر جاذبية لملء المكان؟

هناك مَهمّات متراكبة للحركة الإسلامية العربية، ومنها بوضوح بذر بذور الوعي بقضايا الأمة، وتحصين ضميرها من الاختراق، كما أن عليها القيام بقوة للتصدي لريح الفتن والاختلافات البينية.. وهي مع هذا وذاك، تقوم بما عليها من واجب الدفاع عن القدس والأقصى بوسائل عديدة: المالية والإعلامية والسياسية… ويجب أن يُفهم هنا أن موضوع فلسطين عبارة عن طوق نجاةٍ لمجتمعاتنا على الصعيد النفسي والفكري والواقعي، وبمقدار تفعيل هذا المعنى الكبير، نستطيع تجاوز التحدِّيات الهامشية والتكتيكية وتوجُّه أجيال الشباب بعيداً عن قضايا التفجير التي يحاولها العدو.

إذا كان لابد من العمل السياسي لإشغال مواقع في دواليب النظام، فليتم تشكيل تنظيم سياسي حينذاك من نخب إسلامية مثقفة إداريا وسياسيا واقتصاديا… ينشغل بالعمل الوظيفي للإجابة على التحديات الميدانية التي يفرضها الواقع، أما بقية الحركة الإسلامية وجسمها الأكبر فينبغي عدم الانخراط أبداً مع أية قوى على الأرض في عمل سياسي، بل تتفرغ للدعوة بمعانيها التي انطلقت الحركة الاسلامية بها، حينذاك نستعيد دور الحركة الاسلامية بمستوياتها.. تولانا الله برحمته. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!