فالزية وساركوزية وإسلامٌ مستهدَف واحد
تسبّب تصريح الوزير الفرنسي الأول الشهير مانويال فالز عقب الاعتداء الإرهابي الذي قام به ياسين صالحي على مصنع فرنسي للغاز في دهشة معارضيه اليمينيين من أنصار الرئيس نيكولا ساركوزي ومارين لوبان على السواء وفي استياء الكثير من أتباع حزبه اليساري الحاكم.
وكان مصدر دهشة المعارضين واستياء الأتباع غير المنضوين تحت حساسية الوزير الأول المعروف بنزعته الليبرالية القريبة من اليمين وصفه صراع فرنسا مع الجهاديين الفرنسيين بـ”حرب حضارية” على طريقة بوش التي أدت إلى غزو العراق وولادة “داعش” كما بين ذلك بتحليل دقيق ونافذ المفكر السياسي بيار جان لويزيار في كتابه المرجعي “فخ داعش” الذي لم يبرز على واجهات المكتبات الباريسية بسبب عدم استجابته لمعايير كتب صفراء تنضح بإثارة مجانية لا تمتّ بصلة للتحليل العلمي الرصين وغير الإيديولوجي.
مفهوم الحرب الحضارية الذي نظّر له المفكر الأمريكي صمويل هنتغتون وتبناه صقور البنتاغون والمركب العسكري والصناعي الحاكم والمسيطر الحقيقي، هو نفسه المفهوم الذي عمّقه قبل أيام الوزير الفرنسي الأول المحسوب على اليسار في سياق الشروع في مواجهة الجهاديين. الخلط المفهوماتي الواضح بين حرب من حق فرنسا القيام بها ضد أبنائها الذين أصبحوا إرهابيين باسم الإسلام بعد أن تخرجوا في مدارس علمانية تناقضت مع تهميشهم الاجتماعي اللاحق، وبين حرب حضارية تشمل دين أغلبية المسلمين غير المتورطين في الإرهاب، يدفع المنتبه الواعي إلى تفسير موقفه من منطلقين لا ثالث لهما. المنطلق الأول يترك البعض يعتقدون بأن ممثل الفالزية التي أصبحت تشكّل حساسية منسوجة سياسيويا بدقة متناهية لا يقصد الإسلام كحضارة، وأن تصريحه زلة لسان جديدة تعزز مسار سابقاتها التي كشفت أكثر من مرة عن عدم انسجامه مع قيم اليسار الحقيقية كما يقول أعداؤه في الأسرة الاشتراكية الواحدة.
المنطلق الثاني والأهمّ والصائب في تقديرنا والذي لا يؤمن أصحابه بزلات اللسان في السياسة، يتمثل في نية سياسية واضحة الخلفية والبعد والهدف من منظور استراتيجي متوسط وبعيد المدى، وهي النية التي تكشف عن مكيافيلية صارخة تعكس سعي الوزير الأول إلى سرقة خطاب الصقور الأطلسيين سواء كانوا في أمريكا أو في فرنسا أو في أماكن أخرى من العالم وهم الصقور الذين يلتقون حول فكرة خطر الإسلام على حضارتهم باعتباره “دينا عنيفا بطبيعته ولا هامش فيه للاعتدال والتسامح والحوار؟” على حدّ زعمهم.
فالزية اليوم الناطقة باسم هولند الساكت عليها أو التي تتجاوزه هي ساركوزية جديدة ولوبانية أقدم، وقادة هذه التيارات التي تتبادل الصراع الصادق داخليا والمزيف والمفتعل خارجيا يكشفون أكثر من أي وقت مضى عن وفاق إيديولوجي واحد وعن تعايش استراتيجي يهدفون من خلاله إلى ربح المزيد من الناخبين الذين يحوّلون خوفهم من مستقبل وطني مجهول إلى رعب أكبر اسمه خطر الهجرة والإسلام كـ”حضارة غازية” وليس الإرهاب الذي يرتكب باسم الإسلام، وإلا كيف نفسر عودة زعيم الفالزية إلى مفهوم دمّر العراق وولّد “داعش” التي يقال إن ياسين صالحي من أتباعها كما قيل عن الإخوة كواشي قبل ستة أشهر.