-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الناشط الفرنسي ضد الأسلحة النووية جون ماري كولين لـ"الشروق":

فرنسا خائفة من العواقب ولذلك ترفض تسليم خرائط التفجيرات

محمد مسلم
  • 615
  • 0
فرنسا خائفة من العواقب ولذلك ترفض تسليم خرائط التفجيرات
ح.م
جون ماري كولين

محاولات برلمانية لتجاوز العراقيل أمام تعويض الضحايا
“على باريس تعميم ما فعلته في بولينيزيا ليشمل الجزائر”

في هذا الحوار، يقف جون ماري كولين، مدير فرع فرنسا في الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN)، عند الكوارث التي خلفتها التجارب النووية الفرنسية في جنوب الجزائر، على الإنسان والبيئة، وسبب سياسة الهروب إلى الأمام التي تنتهجها فرنسا في التعاطي مع هذا الملف الحساس، كما يعرج على الصعوبات التي واجهت المطالبين بالتعويض وإمكانية استفادتهم من تسهيلات لتجاوز عراقيل قانون موران 2010.

ما هي أبرز الآثار الصحية والبيئية التي لوحظت في المناطق المتضررة؟
أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في عين إكر ورقان بالصحراء الجزائرية بين 13 فيفري 1960 و16 فيفري 1966. كما أجرت 40 تجربة أخرى باستخدام مواد انشطارية. وتسببت هذه التجارب في تعرض السكان لمستويات عالية من الإشعاع، مما أدى إلى نزوحهم وظهور مشاكل صحية مزمنة (كالسرطانات والاضطرابات النفسية والعقم) بين المدنيين والعسكريين والسكان الأصليين.
أما على الصعيد البيئي، فقد خلفت هذه التجارب آثارا بيئية مدمرة. قام باحثون جزائريون برسم خريطة لموقع الحمودية للتجارب النووية الجوية، بالقرب من رقان، وحددوا 421,679 شظية رملية ملوثة تغطي مساحة تقارب 4,814 كيلومترا مربعا. تظهر هذه البيانات حجم التحدي البيئي. يُضاف إلى ذلك وجود نفايات مشعة دفنتها فرنسا عمدا، كما أوضحتُ مع باتريس بوفيري، مدير المرصد الفرنسي للأسلحة، في دراسة “تحت الرمال، الإشعاع”: خردة معدنية، وطائرات، وشاحنات استخدمت في التفجيرات، وخزانات فولاذية أجريت فيها تجارب دون حرجة باستخدام كريات من البلوتونيوم يصل وزنها إلى 25 غراما. ولا تزال هذه المنشآت مدفونة تحت الرمال حتى عام 2026.
إن وجود مثل هذه المواد شديدة الخطورة على الإنسان والبيئة، يفترض أن يعزز التزام فرنسا بالتصرف بمسؤولية، وأن يجعل الشفافية الكاملة فيما يتعلق بالسجلات الفنية والطوبوغرافية أمرا ضروريا. وحتى الآن، تلتزم الحكومة الفرنسية الصمت وترفض فتح أرشيفها المتعلق بهذه الفترة.

ما هي الصعوبات التي يواجهها المتضررون في الاعتراف بتعرضهم للإشعاع؟
في الواقع، يصعب للغاية تحقيق هذه الشروط، لاسيما بالنسبة لسكان الطوارق، الذين يكافحون لإثبات تعرضهم للإشعاعات بسبب نقص الوثائق. على سبيل المثال، تقع المناطق المحددة في الجزائر بموجب هذا القانون، والتي تحدد نطاق التلوث الإشعاعي الناتج عن التجارب النووية، دائما على أطراف القرى المحيطة، مما يستبعد العديد من السكان. كما يواجه المطالبون بالتعويض (وخاصة البدو الرحل) صعوبة بالغة في تقديم وثائق تثبت وجودهم في هذه المناطق الصحراوية في التواريخ المطلوبة.
تجدر الإشارة إلى أن العديد من المرضى قد تقدموا بطلبات إلى لجنة تعويض ضحايا الانفجارات النووية (CIVEN)، إلا أن أمراضهم غير مدرجة في قائمة هذه اللجنة الفرنسية. ومع ذلك، فهي مدرجة ضمن الأمراض المحتملة وفقا لإستراتيجية وزارة الصحة الجزائرية. يبلغ عدد هذه الحالات 38 حالة، موزعة على أمراض سرطانية (27)، وأمراض غير سرطانية (7)، وأمراض مرتبطة بآثار الإشعاع داخل الرحم (4).
أخيرا، لا تزال شروط بدء “حوار” مع لجنة تعويض ضحايا التجارب النووية (CIVEN)، وجمع الوثائق، وإرسالها إلكترونيا، معقدة، وتزداد تعقيدا، بطبيعة الحال، بسبب حاجز اللغة.

كيف تقيّمون السياسة الفرنسية فيما يتعلق بالاعتراف بالضحايا وتعويضهم؟
على عكس بريطانيا، على سبيل المثال، لدى فرنسا قانون (رقم 2010-2) بشأن الاعتراف بضحايا التجارب النووية وتعويضهم. دخل هذا القانون حيز التنفيذ في 5 جانفي 2010، وكان بمثابة خطوة حقيقية إلى الأمام. يضفي هذا القانون الطابع الرسمي على حقيقة أن 210 تفجيرات نووية فرنسية قد تسببت في وقوع إصابات.
للاعتراف بالشخص كضحية، يجب أن يستوفي ثلاثة معايير منصوص عليها في هذا القانون: أن يكون قد تواجد في مواقع التجارب بين عامي 1960 و1967، وأن يعاني من أحد الأمراض الـ23 الناجمة عن الإشعاع والمذكورة في المرسوم. نظريا، يسمح هذا القانون بالتعويض. مع ذلك، في الواقع، يظهر العدد الإجمالي المنخفض للضحايا المعترف بهم قصور القانون. يقدر عدد الأشخاص المُعرضين لخطر التلوث الإشعاعي بنحو 400 ألف شخص: 150 ألفا من المدنيين والعسكريين الذين شاركوا في الحملات النووية (1960-1998)، و210 آلاف من البولينيزيين (نسبة إلى جزيرة بولينيزيا وهي مستعمرة في المحيط الهادي أجرت فيها فرنسا تجاربها النووية)، و40 ألفا من الجزائريين. ومن بين 1026 شخصا تم الاعتراف بهم كضحايا، يقيم اثنان فقط في الجزائر.
يعود فشل هذا القانون في المقام الأول إلى أسباب فنية (كما هو موضح) وسياسية. فعلى سبيل المثال، لم تكن فرنسا راغبة، حتى وقت قريب، في نشر هذا القانون بلغات السكان المتضررين. ولم تترجم الملفات إلى اللغة العربية الجزائرية إلا في عام 2023. ولذلك، من المؤسف للغاية أن السلطات الفرنسية لم تروج لهذا القانون بشكل أكثر فعالية. وقد كان الوضع مماثلا في بولينيزيا الفرنسية، إلا أن التعبئة القوية لمجتمعها المدني أدت إلى زيادة القدرة على الاعتراف بالضحايا.
وتتحمّل الدولة الجزائرية أيضا جزءا من المسؤولية. كان بإمكانها دعم هذه المبادرة، لاسيما من خلال وزارة المجاهدين وشؤون المحاربين القدامى.

هل تعتبرون قانون موران لتعويض ضحايا التجارب النووية كافيا؟
لا، فقانون مورين، على الرغم من أهميته، لا يزال غير كاف. وقد مهدت الجهود البرلمانية الأخيرة، بقيادة النائبة ميريانا ريد-أربيلوت وبدعم من النائب ديديي لو جاك، الطريق أمام تغيير تشريعي. ويجري حاليا صياغة قانون جديد لتحسين الاعتراف بالضحايا والتعويض عنهم. يبقي هذا النظام على المعايير الأولية، لكنه يدخل تغييرا جوهريا: افتراض التعرض للإشعاع بناء على المخاطر الفعلية، بدلا من الاعتماد فقط على عتبة إشعاعية صارمة. وهذا من شأنه أن يتيح لعدد أكبر من الأشخاص المطالبة بصفة ضحايا.

ما هي الإجراءات الملموسة التي ينبغي على فرنسا اتخاذها؟
يبقى الإجراء الرئيسي هو الفتح الكامل للأرشيف، المصنف حاليا في خانة “سري”. لقد فعلت فرنسا ذلك مع بولينيزيا؛ وعليها أن تفعل الشيء ذاته مع الجزائر. لا يوجد أي مبرر لاستمرار فرنسا في رفض مواجهة هذا الفصل المظلم من تاريخها. إضافة إلى هذه الشفافية، وكما اقترح المؤرخ بنجامان ستورا على إيمانويل ماكرون في تقرير قدمه عام 2021، يمكن إنشاء لجنة “الذاكرة والحقيقة”، أو تقديم الدعم للبحث العلمي والأكاديمي.
يجب على الجزائر أيضا تسريع مبادراتها. وقد تحققت خطوة هامة إلى الأمام في فيفري 2025 من خلال يوم دراسي برلماني وتوصيات هامة، من بينها إنشاء مركز للذاكرة النووية وتوثيق الشهادات الحية. كما أن تنفيذ هذه الإجراءات ونشرها سيوفر معلومات جديدة يمكن استخدامها لممارسة ضغط إيجابي على فرنسا. فعلى سبيل المثال، بدأت وزارة الدفاع الجزائرية، بالتعاون مع الوكالة الوطنية لإعادة تأهيل مواقع التجارب والتفجيرات النووية الفرنسية السابقة في جنوب الجزائر، عمليات تنظيف في منطقة ملوثة في عين إكر. وينبغي دعوة الصحفيين والخبراء والبرلمانيين والمسؤولين الفرنسيين الآخرين خلال الأشهر المقبلة لمشاهدة هذا الواقع عن كثب.

لماذا يعدّ فتح أرشيف التجارب النووية أمرا ضروريا؟
إنه ضروري لإحياء ذكرى الضحايا وللأجيال القادمة. من الضروري أن يتمكن الباحثون على ضفتي البحر الأبيض المتوسط من الوصول إليها لفهم ما حدث. وهذا من شأنه أن يُتيح بالفعل تقدما نحو بناء علاقة ثقة بين الجزائر وباريس.

لماذا ترفض فرنسا تسليم الخرائط المتعلقة بالتفجيرات النووية وبدفن النفايات؟
لا أعرف الأسباب بالتحديد. من المرجح أن تكون متعددة: البيروقراطية، والمخاوف السياسية، وتأجيل المسألة إلى حين تحسن العلاقات بين العاصمتين، أو القلق بشأن العواقب المحتملة.

ما هو دور المجتمع الدولي في مثل هذه الحالات؟
هذا الدور مهم، لكن لن يكون ذلك ممكنا من دون الإرادة السياسية للدول، ولاسيما الجزائر. يمكن للجزائر، على سبيل المثال، تعزيز موقفها من خلال التصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية، التي وقّعتها في سبتمبر 2017، ما يسمح لها بالاستفادة من دعم سياسي وإعلامي دولي متزايد. علاوة على ذلك، يجري حاليا العمل على آلية ضمن هذه المعاهدة، ومن المتوقع أن تتوج، في مؤتمر المراجعة الأول في نوفمبر المقبل، بإنشاء صندوق لمساعدة الدول المتضررة من التفجيرات النووية.
وأخيرا، يمكن للسلطات الجزائرية أيضا أن تطلب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إعداد تقرير ثان عن حالة المواقع النووية في الصحراء، إذ لم يكن تقرير عام 2005 سوى وثيقة تمهيدية.

ما هي رسالتكم إلى السلطات المعنية؟
إنها رسالة ذات شقين.
الأولى إلى فرنسا: لا يمكنها بناء مستقبلها من دون الاعتراف بماضيها. فآثار التفجيرات الـ210 لا تزال ماثلة للعيان، وستبقى كذلك إلى الأبد. لا تتحمّل السلطات السياسية في عام 2026 مسؤولية هذا الماضي، لكنها ستحاسب إذا تقاعست عن العمل في ضوء التداعيات الإنسانية والبيئية.
والثانية إلى الجزائر: إن مشاركتها كدولة طرف في مؤتمر المراجعة الأول لمعاهدة حظر الأسلحة النووية ستكون فرصة سانحة لتعزيز العدالة النووية الحقيقية. وسيعقد المؤتمر في الفترة من 27 نوفمبر إلى 2 ديسمبر المقبل في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. يعني هذا القرار من جانب الحكومة الجزائرية أن الصحراء الكبرى لن تكون مجرد مسرح لكارثة ماضية، بل ستصبح أيضا ساحة لإعادة تأكيد الذات سياسيا وتقنيا، بما يخدم إرساء عدالة نووية حقيقية. إنها فرصة سانحة، وعلى الجزائر اغتنامها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!