-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فضائحنا في السودان والكويت.. والأردن

فضائحنا في السودان والكويت.. والأردن

جلد النساء في السودان، وضرب النواب في الكويت، واستعمال مفرط للقوة ضد الجمهور الرياضي في الأردن.. في ظل أوضاعنا هذه، تتوالى الأحداث عاصفة في الوطن العربي، تقتلعنا من الجذور لترمي بنا في عوالم لم نكن يوما جزءا منها.. هنا يؤرقنا التذكر حين نصبح ونمسي على نساء ورجال صنعوا مجدنا، فكيف لنا أن نتقفىّ آثارهم، أو نتدبّر حكمتهم، أو نسير على خطاهم، أو تنتابنا أحاسيس الانتماء إليهم في أيام الضنك التي نعيشها، وقد أصبنا بعمى البصيرة.. عمى القلوب التي في الصدور؟!.

لقد آليت على نفسي في السنوات الأخيرة ( منذ 10 سنوات تقريبا) أن أعمل جاهدا على بعث الأمل في النفوس من أجل أن أرى الواقع العربي جميلا ـ على ما فيه من سوء ـ حتى لا نكون جميعا عبئا عن الحياة، ما دمنا لا نرى في الحياة عبئا ثقيلا ـ اقتباس من شعر إيليا أبو ماضي بصيغة مختلفة ـ من هذا المنطلق، كنت أسعى من أجل عودة أمتنا إلى رشدها، بعيدا عن دور الداعية أو السياسي أو حتى المؤثر في صناعة القرار.. مكتفيا بدور المثقف الملتزم بقضايانا المصيرية، أعرف أن هذا الهم  يشاركني فيه كثير من الناس في دولنا العربية.

محاولة النظر إلى واقعنا العربي من زاوية الجمال، أو عبر زرع الأمل في النفوس الحائرة ليست شأنا خاصا، كما أنها ليست حكرا على أحد، لكنها في عالم الكتابة تبدأ من تجسيد معنى الأخوة في أوقات الأزمات الكبرى، حين تبلغ القلوب الحناجر، وتغرق الأمة في وحل الوثنيات الجديدة، وتسيطر عليها أهواء من لا يرقبون فيه إلا ولا ذمة، ويضيع منها المعنى الحقيقي للإيمان،  ومن هنا نظرت للفتنة بين الإخوة الجزائريين والمصريين العام الماضي، ومن خلال تلك الرؤية أيضا اراقب بحذر شديد ما يحدث بيننا وبين إخواننا في المغرب هذه الأيام، وعلى نفس الطريق أتابع ما يحدث في دولنا العربية الأخرى، ومنها: السودان والكويت والأردن.

وقائع الأيام الماضية على المستوى العربي، تدفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل يكفي العمل لبعث الأمل في ظل أجواء تكشف عن دخولنا حقبة استعمارية جديدة بشكل جماعي؟ بالتأكيد أن ذلك لم يعد كافيا، وهذا له مرجعيته من التاريخ،  من ذلك أنه في الوقت الذي تحركنا من أجل تحرير الأراضي العربية، خطفت منّا فلسطين، وفرضت علينا الحروب من أجلها، وفي السنوات الأخيرة عملنا ـ عرب كثر وفلسطينيون ـ من أجل التخلص من ويلات الحروب، فكانت النتيجة التخلص من فلسطين، مع دخولنا حروب أخرى أشد بطشا وفتكا، ولنا في العراق المثل الصارخ والواضح، فمنذ أن رفضت الوجود الإسرائيلي عام 1948 من خلال الحرب وإلى غاية إعدام رئيسها لم تسلم من الأذى، وقطعت أوصالها وأدخلت في حرب أهلية طويلة الأمد.

ما معنى وجود أمل في واقع الأموات، مع أن معظم دول العالم، يتجه نحو صياغة الأحداث، أو على الأقل المساهمة فيها  من خلال تفعيل دور الشعوب والاعتماد عليها؟.. الإنسان عندها مكرّم أو تبحث له عن أسباب الكرامة، ولهذا تتصدر أخبار الإنسان النشرات العالمية ـ الغربية تحديدا ـ لم لا نكون مثلهم ما دمنا قادرين عن فعل ذلك؟!

ما جدوى الحديث عن الأمل، بعد الذي شاهدناه الأيام الماضية، من عنف الحكومات والسياسيين في بعض دولنا العربية، ففي مصر مثلا، لا يعترف الحزب الحاكم بالمعارضة، ولا يقيم لها وزنا، كما لا يهّمه ـ أو هكذا يظهر ـ ردود الأفعال العالمية على نتائج الانتخابات، ولا المعارضة هناك قادرة على القيام برد فعل، لأن أغلب قيادتها جزءا من منظومة الفساد، حتى لو حمل بعضها شعار ” الإسلام هو الحل”.

و في السودان، حيث السلطة هناك رضيت أو أجبرت على القبول بالجلد من المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وتسعى لتنفيذ مخطط تقسيم السودان، نراها تمارس العنف ضد فتاة، بضربها خمسين جلدة على مرأى من الناس، ومن سائل العصر و وسائطه ـ تهمتها ظهورها بملابس غير محتشمة حسب ادعاء شرطي، وشهادته في سودان العز أو الذل لا ترد ـ  أهكذا يكون الحكم الإسلامي من نظام، رفع بهتانا زورا في الانتخابات شعار “القوي الأمين”، فعن أي قوة، وأي أمانة تتحدث الحكومة السودانية؟.

و في الكويت، سارعت قوات الأمن إلى استعمال القوة ضد نواب مجلس الأمة ـ الذين يملكون الحصانة بقوة القانون، ويأتي هذا الفعل نتيجة تراكمات الصراع السياسي بين قوى مختلفة تدّعي جميعها أنها على حق، وبغض النظر عن الخلفيات والأسباب، فإن أجهزة الأمن استعملت عنفها المبرر ضد القانون، وضد الشعب الكويتي، حتى لو كان الهدف حماية السلم العام، وهو  ما يكشف عن حالة من التخلف، لم تحمنا منها أموالنا ولا تاريخا ولا قلة أعددانا. 

مشهد آخر من العنف رأيناه في الأردن بعد مقابلة في كرة القدم جمعت بين فريقي “الوحدات” و”الفيصلي”، حيث قامت قوات الدرك برد فعل ضد شغب الجماهيرـ اعتقادا منها أن في ذلك حماية للدولة والمجتمع ـ فأنتهى الأمر إلى مأساة، وأعطت عدة تفسيرات من المراقبين لما حدث، أكثر خطورة ـ ولا ندري مدى صدقيتهاـ تلك القائلة:” أن تلك الأحداث سببها الخلاف المتراكم بين الفلسطينيين المقيمين في الأردن وبين الأردنيين، يضاف إلى ذلك تراجع دور العشائر”، وهذا يشي بحرب أهلية في المستقبل المنظور.. فقط علينا أن لا نفصل ما حدث في الأردن عن توقف المفاوضات بين الكيان الإسرائيلي والسلطة الوطنية الفلسطينية.

مهما تكن أسباب الأحداث الأخيرة في كل من: السودان والكويت والأردن، فإننا نعيش في مرحلة” عنف الدولة”، وفيها  تقترب الدول من دور الجماعات المتطرفة، ما يعني مشاركتنا للعالم مشاعر الخوف والترقب.. نعرف أن الحكومات في معظم الدول العربية أسد على شعوبها، ونعامة أمام الآخر الأجنبي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هذا المبرر لم يعد مقبولا، لأن استعمال العنف من طرف أجهزة الدولة يخضع للقانون وليس لاجتهاد جماعات أو أفراد يفرضون وجودهم بالقوة، سواء أكانت مرجعيتهم الولاء للحاكم،أو الادعاء بحماية الأوطان والأعراض، أوالدين.

بناء عليه بات لزاما علينا إعادة النظر في المواقف والقرارات، التي تتخذ داخليا، لأن العنف الذي يبدو حالة فردية، كما هو بالنسبة لجلد الفتاة السودانية، أو حالة جماعية كما هو الأمر بالنسبة لضرب نواب مجلس الأمة الكويتي، أو حالة مجتمعية كما هو في استعمال عنف من طرف الدرك ضد مشجعي الفريق الرياضي في الأردن،  هو في حقيقته عنف دولة، سيؤدي إلى فتنة طويلة الأمد.

لم يعد كافيا زرع الأمل في شعوب تقودها حكومات نحو الهاوية، و كأنها لا عزاء لها إلا القبول بهذا الوضع السياسي، لذلك يطرح السؤال التالي:  هل لأن طاقات الشعوب العربية لم توظف في مجالها الطبيعي، تحولت إلى رد فعل، تم رفضه من الأنطمة فلجأت إلى خيار العنف المضاد؟

إلى أن نصل إلى إجابة نشترك فيها جميعا، يبدو المشهد العام معبرا عن فتنة، بدأت تجربتها الأولى بين مصر والجزائر، وهاهي تتطور على الصعيد الداخلي في أكثر من دولةعربية، لذا علينا عدم التعويل على الأمل وحده ، لأن المرحلة القادمة من عمر أمتنا تتطلب تغيرا في نمط العلاقة بين الحكومات والشعوب، لجهة احترام هذه الأخيرة، وإلا سيعود التعاون السابق بين الشعوب والجماعات المتطرفة، مادام عنف الحكومات أشد بطشا وفتكا وأكثر إيلاما، وإن لم يؤد دائما إلى القتل.

إن العنف المبرر من الحكومات العربية، يأتي من الذين وصلوا إلى سدة الحكم بشكل شرعي، فكيف يحق لمن هو شرعي أن يتحكم بمصير شعوب تعيش زمنا عالميا مفتوحا، ترى فيه  أفعال أهل الملل والنحل الأخرى، من ذلك توسيعهم  لمساحات العدل والحرية والمساواة؟.. فكيف تتسع هنالك وتضيق عند أهل التوحيد.. هل منا حكومة واعية، أو قائد رشيد؟!

[email protected]

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!