فوضى الأسعار.. سرطان ينخر جيوب الجزائريين
أجمع المختصون والتجار والمستهلكون أن سنة 2014 سجلت رقما قياسيا في ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، في مقدمتها الخضر التي شهدت أسعارها لهيبا غير مسبوق، حيث تصدر ارتفاع أسعار البطاطا عناوين الصحف ونشرات الأخبار، في حين بلغت أسعار اللحوم أعلى مستوى لها منذ الاستقلال، ومع تجدد كل يوم يتفاجأ المواطنون بارتفاع عشوائي للمواد الغذائية، على غرار مشتقات الحليب والبيض والحبوب…
وأمام استفحال فوضى الأسعار لم تجد الحكومة حلولا ميدانية لحماية المواطنين من بارونات المضاربة، في حين لجأت جمعيات المستهلكين إلى خيار المقاطعة، وبين هذا وذاك يبقى الجزائريون تحت رحمة مشاريع ووعود مؤجلة لتنظيم السوق.
يتحكمون في الأسعار ويسرقون جيوب المواطنين
المضاربون.. أشباح عجزت الحكومة عن مواجهتها
المبرر الوحيد الذي وجدته الحكومة لارتفاع الأسعار هو كثرة المضاربين، وبالرغم من المشاريع والخطط والإجراءات التي أقرتها وزارة التجارة للقضاء على المضاربة في الأسعار غير أنها لم تفلح في ذلك، ما يجعل الأسعار في الجزائر حاليا غير قابلة للرقابة ولا حتى التسقيف، حسب المختصين، بسبب تزايد نشاط بارونات المضاربة الذين تحولوا إلى أشباح عجزت الحكومات المتعاقبة عن مواجهتها ورصد نشاطها وتحركاتها.
وفي هذا السياق، يؤكد الناطق باسم اتحاد التجار، الحاج طاهر بولنوار، أن الحكومة بررت عجزها في مواجهة المضاربين بحجة أنهم ينشطون في السوق السوداء، غير المراقبة والتي تشغل أزيد من مليون ونصف مليون تاجر فوضوي.
وكشف المتحدث أن نشاط المضاربين امتد إلى الأسواق الجوارية المنظمة والمراقبة والتي ترتفع فيها الأسعار بشكل غير منطقي، ما جعلها محرمة على البسطاء ومحدودي الدخل.
حملات المقاطعة ويوم بلا شراء لمواجهة فوضى الأسعار
باتت حملات المقاطعة الخيار الوحيد لجمعيات حماية المستهلكين لمواجهة الغلاء الفاحش وغير المبرر للأسعار، وهذا ما دفع جمعية المستهلكين إلى تنظيم ثلاث حملات مقاطعة شملت مواد استهلاكية ارتفعت أسعارها بشكل سريع وغير مبرر على غرار البيض والموز واللحوم. وفي هذا السياق، أكد مصطفى زبدي أن استجابة المواطنين لحملات المقاطعة كانت إيجابية ومتوسطة، غير أن هذه الحملات أرعبت بارونات المضاربة، ما ساهم في تراجع أسعار الموز والبيض.
وأضاف المتحدث أن “يوم بلا شراء” الذي ستنظمه جمعيته يوم 20 ديسمبر المقبل هدفه التنديد بالارتفاع العشوائي للأسعار، وعجز الحكومة عن حماية جيوب الجزائريين، بالإضافة إلى توعية المستهلكين بأهمية تبني ثقافة استهلاكية سليمة واعتماد المقاطعة حلا لمواجهة بارونات المضاربة.
وعن أسباب عجز الحكومة عن تسقيف وتنظيم الأسعار، أكد زبدي أن الأمر يرجع إلى طول السلسلة التجارية وكثرة المضاربين بسبب قلة الأسواق الجوارية المراقبة، وضعف أداء دواوين ضبط وزارة الفلاحة على غرار ديوان الحليب والحبوب والخضر والفواكه والتي عجزت جميعها عن تنظيم وتسقيف الأسعار.
يقتنون الخضر والفواكه من “البحيرة“
الباعة المتنقلون يكسرون الأسعار بشعار “الرخا يدهش“
وجهتنا كانت سوق الخضر والفواكه بحي البدر بالقبة، حيث تعج المساحة الصغيرة المجاورة للأحياء بالشاحنات من نوع “هيليكس” و“فورغون” المحملة بمختلف أنواع الخضر والفواكه. وما شدنا هو انخفاض الأسعار مقارنة بالأسواق والمحلات التجارية الأخرى فـ “الرخا يدهش“، أين بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من البصل 70 دج، فيما لا تزال أسعار البطاطا تسجل ارتفاعا حيث بلغت 65 دج، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطماطم بـ 85 دج، والكوسة أو القرعة 200 دج، الفلفل الأخضر 140 دج. وإن كانت هذه الأسعار هي المتداولة في الأسواق الموازية، فإن الأسعار المقدمة في المحلات تزيد عن الأسعار سالفة الذكر بـ 30 إلى 50 دج. وهو ما لمسناه خلال جولة أخرى في هذه المحلات.
وعن أسباب انخفاض الأسعار في الأسواق الموازية، يقول سمير، أحد الباعة: نحن لا نملك محلات تجارية.. نبيع في الشارع. وبالتالي لا نسدد إيجارا ولا نملك سجلا تجاريا ولا ندفع ضرائب. نحن نعمل هنا بطريقة غير مشروعة مباشرة من السوق إلى الرصيف. وعن ارتفاع الأسعار، أكد لنا محدثنا بأنها ترتفع في حال تساقط الأمطار لصعوبة الدخول إلى الحقل ولا يوجد عاملون يقومون بجمع الخضر. أما محمد، فأوضح لنا بأنه يشتري الخضر والفواكه من “البحيرة “، أي الحقل، محملا “المعاودية” والذين يدخلون سوق الجملة في ساعات مبكرة من الصباح مسؤولية التهاب الأسعار. فهم يقتنون كميات كبيرة ثم يضيفون هامش ربح وفي كل مرة يزيد السعر وعند وصولها إلى التاجر يكون هو المشتري 4 أو 5 فيصل السعر إلى الضعف تقريبا.
في حين أكد لنا أحد الباعة أن أسعار الخضر هذه السنة قد شهدت ارتفاعا محسوسا مقارنة بالعام الماضي، فالبصل كان سعره لا يتجاوز 20 دج والفلفل الأخضر بـ 70 دج، أما هذه السنة فقد تضاعفت بسبب نقص اليد العاملة.
مصيطفى: لهذه الأسباب عجزت الحكومة عن التحكم في الأسعار
أكد الخبير الاقتصادي والوزير السابق بشير مصيطفى، للشروق، أن السوق الجزائرية سوق غير منظمة من حيث معايير المنافسة، وأن أكثر من 60 بالمائة من المعاملات لا تتحكم فيها الحكومة كما تهيمن المعاملات الموازية على 40 بالمائة المتبقية.
وقال إن في السوق “السوداء” تتشكل الأسعار الحرة بينما تتشكل الأسعار المسقفة في السوق الرسمية موضحا أن هامش المنتجات التي تخضع للأسعار المسقفة ضيق أمام المنتجات التي تخضع للأسعار الحرة لأنها تعني فقط السلع الضرورية واسعة الاستهلاك، أما باقي السلع فتخضع للمضاربة ولخاصية قلة عدد المتدخلين وهناك يتشكل التضخم.
الموضوع حسب خبير الاقتصاد يخص بشكل أساسي الخضر والفواكه واللحوم والأسماك والمشروبات وقطع الغيار والسيارات المستعملة لأنها تتصف بالطلب العالي عليها.
ومن حيث وسائل الرقابة على الأسعار وعلى النوعية ماديا وبشريا، قال مصيطفى، إن قطاع التجارة في الجزائر يتميز بنقص العصرنة فيما يخص هذه الوسائل، والأمريخص أعوان وأنظمة الرقابة وكذلك مخابر النوعية الشيء الذي فتح الباب يضيف أمام المضاربة، الاحتكار، تقليد السلع والتهريب.
هذا الأخير (خاصة في مجال اللحوم) أدى حسبه لإضعاف العرض مع زيادة أو ثبات الطلب الداخلي ما يعني آليا زيادة الأسعار.
ومن بين أسباب تذبذب الأسعار في السوق الجزائرية حسب رأي مصيطفى، قلة المتدخلين في السوق بسبب البيروقراطية الاقتصادية عند إطلاق المؤسسات وخاصة في حيز المنتجات ذات الأسعار الحرة وواسعة الاستهلاك ما يؤدي إلى قلة المنافسة وبالتالي إلى الأسعار الاحتكارية بدل الأسعار التنافسية.
وقال إن السعر الاحتكاري يتشكل نتيجة التحالف بين المتدخلين في الأسواق بينما يتشكل السعر التنافسي نتيجة قانون العرض والطلب، كما يرى أن تراجع الإنتاج الوطني مقارنة بالطلب الكلي الداخلي فتح الباب أمام الواردات وأسعار هذه الأخيرة تتشكل عن طريق تحالف المستوردين على قلتهم ولهذا لا تنخفض الأسعار في السوق الداخلية حتى لو انخفضت في الأسواق الخارجية .
رئيس الفيدرالية الوطنية لتجار الجملة
قلة أسواق الجملة سبب انتشار نشاط المضاربين
أرجع رئيس الفيدرالية الوطنية لتجار الجملة، السعيد قبلي، في اتصال مع الشروق، أسباب ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية، هذه الأيام لارتفاع أسعارها في البورصة العالمية وارتباط ذلك مع ارتفاع قيمة الدولار مقارنة بالدينار الجزائري، موضحا أن اختلاف أسعار المواد الغذائية في المحلات و“السوبر ماركت” متعلقة بالمنطقة والحي وتكاليف كرائها. وقال قبلي، إن تجار الجملة للمواد الغذائية يعانون هذه الأيام من تكدس السلع خاصة ذات الإنتاج المحلي حيث يجدون صعوبة في تسويقه فيما تعرف الحبوب الجافة والمواد الأكثر استهلاكا في الشتاء والمستوردة من الخارج ارتفاعا في سعرها بسبب ارتفاعها في البورصة بالخارج.
ويشير المتحدث إلى أن الأسعار مستقرة على مستوى تجار الجملة، ولكنها متذبذبة في محلات تجار التجزئة بسبب قلة أسواق الجملة عبر بعض المناطق، حيث أن سوق السمار الذي يحوي 750 تاجر جملة يتواجد في منطقة لا تستقطب تجار التجزئة، والحل حسبه يتمثل في وضع سوق وطنية تبعد عن العاصمة بـ5كلم، إضافة لفتح 10 أسواق جملة للمواد الغذائية العامة موزعة عبر القطر الوطني وهذا قصد توفير المواد الاستهلاكية المحلية وجعلها في متناول المواطن وبالتالي التحكم بشكل تدريجي في الأسعار بازدهار التجارة، حيث توقع التهابا في المواد الاستهلاكية الأساسية مطلع 2015 في حالة استمرار ارتفاع قيمة الدولار.
رئيس أسواق الخصر والفواكه محمد مجبر:
فارق الأسعار بين أسواق الجملة والتجزئة يتجاوز 100 %
حمل رئيس اللجنة الوطنية لأسواق الخضر والفواكه محمد مجبر، في تصريح للشروق، تجار التجزئة المضاربة في الأسعار بحجة أن“السوق حرة“، حيث أكد أن الزيادة في أسعار الخضر والفواكه خارج سوق الجملة تصل أحيانا لـ100بالمائة رغم أن بعض أنواع المحاصيل الزراعية تباع في أسواق الجملة بسعر التراب، وتبقى لترمى الأطنان منها.
أوضح محمد مجبر، أن سوق الجملة بالكالتوس، تستقبل يوميا حوالي 4 ألاف طن من الخضر والفواكه وهي كمية كافية خاصة في فصل الشتاء، مما لا يجعل مبررا لالتهاب أسعارها لدى تجار التجزئة، وقال إن 300 ألف طن من البطاطا تم تخزينها ولم توزع على أسواق الجملة مما جعل سعرها يلتهب، واتهم بارونات خاصة تحتكر السوق للمضاربة في بعض الخضر والفواكه مع المناسبات الخاصة. وطالب مجبر في سياق حديثه، بإعادة النظر في الفوائد الخاصة بتجار التجزئة وفرض عليهم الإعلان بالأسعار مثلما وقع في أسواق الجملة، ودعا وزارة التجارة لاستعجال لقاء أو طاولة مستديرة للنقاش مع جميع الأطراف قصد إيجاد حلول لتذبذب الأسعار بين أسواق الجملة وتجار التجزئة. وأشار إلى أن 30 شاحنة تاتي من ولايات شرقية لسوق الكالتوس لتحميل أطنان لولايات الهضاب العليا مما يجعل سعر الخضر والفواكه في هذه الولايات مرتفعا في الشتاء.
الشروق في جولة في المساحات التجارية
هاجس ارتفاع الأسعار سنة 2015 يؤرق الجزائريين
أصبح مطلع السنة الجديدة بالنسبة للمواطن الجزائري أمرا يؤرقه لما يحمله معه من ارتفاع في أسعار المواد الغذائية والتي تجاوزت الزيادات فيها حدود المعقول، حيث حذر خبراء من ارتفاع جميع المواد الاستهلاكية بسبب ارتفاع الدولار وانخفاض الدينار.
وإن كانت اللوبياء الحدث السنة الماضية ببلوغها سعر 320 دج للكيلوغرام الواحد فإنها عرفت هذه السنة تراجعا ملحوظا حيث وصل سعرها في المحلات الى 250 دج، أما السميد فقد بلغ سعره 60 دج بعد أن كان السنة الماضية يبلغ 55 دج للكيلوغرام الواحد، فيما بقيت أسعار الحمص هي ذاتها أي 180 دج ولم تسجل المواد الأساسية كالزيت والسكر والقهوة، أدنى ارتفاع خاصة بعد الثورة التي قام بها الشباب احتجاجا على ارتفاعها في جانفي2011 حيث مازالت مستقرة منذ ذلك التاريخ، ومن بين المواد الغذائية التي صنعت الاستثناء هذه السنة هو “العدس” والذي يعد رفيق الجزائريين والطعام الذي لا تخلو منه موائدهم خلال فصل الشتاء فقد بلغ سعر الكيلوغرام الواحد 200 دج بعد أن كان لا يتجاوز 160 دج العام الماضي وهو مرشح للارتفاع أكثر خلال الأيام القليلة القادمة، هذا الغلاء وصفه الباعة بغير المبرر خاصة وأن الغلاء في هذه المواد الأساسية يشمل أسواق الجملة لكون المنتج المحلي من الحبوب على حد قولهم قليلا جدا ولم تسلم من الزيادات غير المبررة العديد من المواد خاصة مشتقات الحليب فثمن علبة الياوورت قفز من 12 دج إلى 15 دج أما الأجبان فباختلاف أنواعها تراوحت الزيادات فيها مابين 20 إلى 50 دج.