-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في ذكرى الثورة المنتصرة… المعركة مستمرة بين دعاة الرقمنة و”حزب الورقنة”

أبو جرة سلطاني
  • 534
  • 0
في ذكرى الثورة المنتصرة… المعركة مستمرة بين دعاة الرقمنة و”حزب الورقنة”

مخطئ من يقول: لم يتحقق شيء منذ الاستقلال إلى اليوم، إنما هي خطب فارغة ووعود كاذبة وتصفيق مهين وهتاف لكل قادم جديد.
ومخطئ أيضا من يقول: لقد انحرفنا عن بيان أول نوفمبر 180°، وتنكرنا لرسالة الشهداء، ولو عادوا اليوم ورأوا ما نحن عليه لرجمونا.
ومخطئ كذلك من يقول: لقد تحقق كل شيء وصرنا أفضل من سويسرا والسويد والصين والروس واليابان..!! ونحن على خط الشهداء حذو النعل بالنعل، ما حدنا وما بدلنا وما فرطنا في دمائهم نقيرا ولا قطميرا.
فهؤلاء ناكرو جميل. وأولئك مبالغون في وصف الواقع. والعدل يقتضي أن ننظر إلى واقعنا بموضوعية. ونراقب ما تم إنجازه بعينين: عين راضية بما تحقق، وهو كثير وكثير جدا. وعين ساخطة على ما لم يتحقق وهو قليل ولكن بعضه مفصلي وأساسي واستراتيجي في عملية البناء الحضاري الذي ينبغي أن تكون عليه الجزائر عن جدارة واستحقاق بسبب ما تتمتع به من قدرات بشرية شبانية هائلة، وما تزخر به من مقومات ومكونات ومدخرات مساعدة على الإقلاع التنموي الشامل، لو أنها تجاوزت بعض الإكراهات التاريخية التي مازالت تكبح انطلاقتها الكبرى نحو “جزائر جديدة” منتصرة ومزدهرة.
فالنظر إلى واقعنا بعدل وإنصاف يجنبنا اليأس والشطط. وفي سماع صوت الحكمة بأذنين (أذن مادحة وأذن قادحة) مسؤولية وموضوعية تقتضيهما أخلاق القول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت.
وهو ما أردناه بمناسبة الاحتفالات المخلدة للذكرى الواحدة والسبعين لاندلاع ثورة التحرير المباركة. أردنا أن نعيد فتح صفحة “عهدنا مع الشهداء” بقراءة أخرى محينة للبيان التاريخي الذي هو مرجعية جميع الجزائريين، قراءة تعيننا على تحديد ملامح استقلالنا وسيادتنا. وتذكر الأجيال بحقوق الشهداء عليهم وبواجبات هذا الجيل تجاه وطنه وشعبه وبمسؤوليته الوطنية في استكمال بناء مؤسسات دولته تتميما لرسالة الشهداء وحفاظا على أمانتهم أمام تحديات جديدة ورهانات داخلية وتهديدات خارجية وتحولات إقليمية ودولية.
والقراءة لا تحتاج إلى جهد كبير، ولا إلى تأويل لما جاء في بيان أول نوفمبر 54 من أهداف داخلية وخارجية تمت صياغتها بدقة ووضوح واختصار لتكون خريطة طريق للثورة، من جهة. ومخطط عمل لدولة الاستقلال، من جهة ثانية. واستشرافا مستقبليا للأجيال، من جهة ثالثة. وهي بالمختصر المفيد ستة:
1- تحرير الجزائر من نير الاستعمار.
2- إقامة دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية.
3- احترام الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.
4- القضاء على جميع مخلفات الفساد.
5- تجميع الطاقات لتصفية النظام الاستعماري
6- تحقيق وحدة شمال إفريقيا داخل إطارها الطبيعي العربي الإسلامي.
وختموا بتحميل أنفسهم مسؤولية النصر أو الاستشهاد: “أما نحن العازمون على مواصلة الكفاح، الواثقون من مشاعرك (مشاعر الشعب الجزائري) المناهضة للإمبريالية. فإننا نقدم للوطن أنفس ما نملك”. وهي ٱخر جملة في البيان.
وقد قدموا أنفس ما يملكون، وهي دماؤهم وأرواحهم فداء لهذا الوطن الغالي. وحرروه كما وعدوا. لكن ما إن لاحت بوارق استرجاع الشعب سيادته على وطنه حتى بدأت الخلافات حول “مشروع مجتمع!!” وتباينت الٱراء وتعاكست وتعارضت المواقف وانقسمت إلى ثلاثة تيارات.
1- تيار الذين كانوا يرون أن دولة الاستقلال لا ينبغي لها أن تكون إلا وطنية. فلا تخرج عن أهداف البيان التاريخي.
2- وتيار الذين كانوا يرون أن الالتزام لا يكون بنص البيان وإنما “بروحه..!!” ويمكن تفسيره بحسب المصلحة الوطنية.
3- وتيار ثالث كان عمليا، وهو الذي وضع أسس الدولة الوطنية، فاختصر النقاش في تأسيس دولة على نموذج كان قائما ورائدا في ذلك الوقت. وهو نموذج دولة مصر العربية ممثلة في زعيمها جمال عبد الناصر، مع احترام ما نص عليه بيان أول نوفمبر بأن تكون دولة ذات طابع اجتماعي ضمن إطار المبادئ الإسلامية.
ومن هنا بدأ تأويل مفاهيم المصطلحات الكبرى كمفهوم الدولة. ومفهوم الديمقراطية. ومفهوم الإسلام والمبادئ الإسلامية. ومواد الحكم التأسيسي..
ونشبت معركة مفاهيم حسمها رجال الميدان خلال الـ 108 يوم الممتدة ما بين يوم الإعلان عن وقف إطلاق النار (يوم 19. 03. 1962)، والإعلان الرسمي عن نتائج الاستفتاء حول تقرير المصير (يوم 05. 07. 1962).
في هذا المقال، لن ندخل في تفاصيل ما حدث..!! ونمضي إلى بسط ما تحقق من إنجازات ببركات ثورة التحرير وبدماء الشهداء وبإخلاص من ألقت الأقدار على كواهلهم أمانة بناء الدولة ومواجهة مخلفات استعمار استيطاني تراكمت أخطاؤه على مدى 132 سنة. وتصفية تركة من المشكلات المعقدة يصعب تصوّرها ناهيك عن مواجهتها وحلها في ظروف صعبة وفي محيط إقليمي ودولي كان ينظر إلى فرنسا بأنها رائدة الحضارة الغربية، وحاملة راية التقدم..!! وأن جيشها – الذي بسط نفوذه على دول كثيرة – لا يمكن لشعب أعزل أن يهزمه ويجره إلى مفاوضات تنتهي باسترجاع السيادة كاملة وإعلان الاستقلال التام عن مستعمر الأمس. ويصبح ما حدث تاريخا ترويه الأجيال.
خلال سبعين عاما أنجزت دولة الاستقلال الكثير، ومن هذا الكثير: الاستقلال السياسي. واسترجاع السيادة. والتحرر الوطني. ووحدة الشعب والدين. ودبلوماسية واضحة مشرّفة بانتصارها للقضايا العادلة والوقوف مع فلسطين ظالمة أو مظلومة. والاجتهاد في استكمال التحرر السياسي بتحرر اقتصادي ولغوي وثقافي وتاريخي والحفاظ على الذاكرة.. وحسم صراع الهوية بتحديد ثوابتها وبتقرير مبدأ المساواة في الحق والواجب.
ومن مظاهرها أيضا تعزيز السيادة الوطنية بترسيم الحدود، وحسم الخلافات التي سبقت الثورة..!! وتأميم المحروقات، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، وعلى الوحدة الوطنية، وعلى سيادة القرار واستقلاليته، وتسديد المديونية الخارجية.. والمحافظة على الطابع الاجتماعي للدولة..
ومن مظاهره أيضا مجانية التعليم والصحة، وتعميم النظام اللامركزي، وثقافة التضامن الوطني في السكن، والمدرسة، والطرقات، والماء، والكهرباء، والنقل، وفي الضمان الاجتماعي.. وفك العزلة، وتقريب الإدارة من المواطن.. الخ.
لكن هذه الإنجازات الكثيرة والمتعددة والمتنوعة التي غطت جميع مجالات الحياة، وهي إنجازات ملموسة لا ينكرها إلا لئيم، إنجازات نقلت الجزائر من شعب كان يقاوم من أجل استرجاع أرضه إلى دولة محورية يحسب لها – في المحافل الدولية – سبعون حسابا.
لكن مهما كانت هذه الإنجازات تبقى قليلة في حق الشهداء. وقليلة أمام طموح الشباب، وقليلة في مواجهة انتظارات شعب ضحى بالغالي والنفيس ليعيش في “جزائر جديدة” رسمت محطات 71 سنة من الاستقلال معالم نهضتها الكبرى، بعزم أكثر من رئيس – كل واحد ببرنامجه – على نقلها من التخلف إلى طريق التنمية المستدامة ليكتشف كل رئيس أن مقاومة التغيير عالية الموجة، وأن القائمين عليها مصرّون على تثبيت الوجه القديم للدولة الوطنية بالتغطية على جهود مكافحة الفساد أمام ضعف مؤسسات الرقابة وهشاشة أجهزة الردع (ولا أتحدث هنا عن المنظومة القانونية ولا عن السجون)، وعلى الوجه البشع للبيروقراطية، وعلى إثارة “مسألة الهوية” وعلى البطالة المقنًعة وعلى تدني القدرة الشرائية واتساع جيوب الفقر.. مع ضخامة الجهود التي بذلت.
نعم؛ ربحنا معارك كثيرة على جبهات متعددة. وصرنا نشعر بأننا سياسيا مستقلون وأن قرارنا سيادي بأيدينا. ولكننا لم نستكمل هذا الاستقلال السياسي بتنمية شاملة تحررنا من التبعية للمحروقات ومن “اقتصاد الحاويات” ومن تنامي ظاهرة الفوارق الطبقية، ومن بيروقراطية نافذة تعرقل جهود الشفافية والرقمنة وتدير ظهرها للنداءات المتكررة لرؤساء الجمهورية المتعاقبين بضرورة طي صفحة الممارسات البالية والذهاب إلى تسيير عصري منفتح على جميع أبناء الشعب..
ومازالت أذن البيروقراطية صماء عن توجيهات السيد رئيس الجمهورية القاضية بتشجيع الكفاءات وتمكين الشباب من إدارة شؤون الدولة، وحماية المنتج الوطني واستقلالية الإعلام والقضاء.. والتخلص من عقلية “إدارة الورقنة” إلى ذكاء إدارة الرقمنة، والذهاب إلى بناء اقتصاد صديق للبيئة والتحول من سياسة الريع إلى سياسة تثمين قيمة العمل وحماية المنتج الوطني.. الخ.
فالاستجابة لهذه التوجيهات مازالت ثقيلة ومتباطئة لأن جهات كثيرة تخشى الشفافية وتحارب الرقمنة وتصر على الورقنة. وتقصي الكفاءات وتمنح المواقع المتقدمة مكافآت لمن لا يملك تقديم قيمة مضافة لشعبه ودولته. وتكبح وتيرة التنمية لفائدة استيراد المستهلكات لشل إرادة الإنتاج.
ما ينبغي قوله اليوم، في هذه الذكرى التاريخية الكبرى، هو: أننا صفقنا كثيرا لزعماء رحلوا وتركونا نصفق..!! وعلينا أن نكف عن التصفيق – إلا للوطن والشهداء – ونلتفت لمستقبل الأجيال في ثلاثة عناوين كبرى مكملة ومتممة لروح بيان أول نوفمبر المجيد، هي:
1- إن ما سطره الشهداء الأبرار في بيان أول نوفمبر لم يكن مجرد بيان ثوري تاريخي انتهى مفعوله بتحرير الجزائر، وإنما هو أرضية متينة لمشروع وطني يجب أن يأخذ مداه في الزمن إخلاصا وتضحية و”رجولة” ووفاء لمن قال فيهم الراحل هواري بومدين: ” الذين أدّوا واجبهم كاملا هم هؤلاء الذين غادروا هذه الحياة. أما نحن فنناضل من أجل استكمال ما تعاهدنا عليه”.
2- استكمال معركة البناء الوطني بوضع رؤية استشرافية ممرحلة تغطي عشر سنوات قادمة باستكمال ما تخلف. وذلك بالتركيز على أعمدة النهضة الخمسة: الإنسان. والعلم (التكنولوجيا). والعمل. والعدل. وتكافؤ الفرص. فقوّة الوطن في قوة اقتصاده وفي سواعد أبنائه وليس في جمال خطبهم وخططهم وتصريحاتهم.
3- الوحدة الوطنية والحدود ومكونات الهوية والذاكرة والتاريخ والسيادة.. كلها خطوط حمراء. ولكن حمايتها لا تكون بالحماسة وحدها، وإنما بالوعي والتماسك والحوار وبمشروع إصلاح سياسي واسع وعميق يشجع الكفاءات الوطنية ويجسّد هدف “إقامة دولة ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”.
المجد للوطن والخلود للشهداء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!