-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في سيكولوجية حُـكّام فرنسا

د. عمر هارون
  • 414
  • 0
في سيكولوجية حُـكّام فرنسا

إن الأمم العظيمة هي التي تمتلك تاريخا عريقا من الدفاع عن المبادئ والقيم القادرة على جعل العالم أكثر عدلا وإنصافا، قيم يعيش بها سكان الأمة ويحاولون نشرها لتكون بمثابة الدستور العالمي، لكن أصعب ما يمكن أن يحصل أن يصاب حكام أمة بإنفصام الشخصية فيدّعون ما لا يملكون ويسوّقون ما لا يؤمنون به، فنكون أمام حالة وجب علينا الوقوف أمامها بإمعان.

سيكولوجية الجماهير في عين حكامهم
إن القارئ لكتاب غوستاف لوبون الذي صدر في 1895 يجد نفسه أمام كتاب يتطرق بإسهاب للكيفية اللازم إتِّباعها للتحكم في الجماهير، هذا الكتاب الذي درس فترة حساسة من التاريخ الفرنسي وجعلها ركيزة لفهم الجماهير، استطاع أن يقدِّم لنا وصفا دقيقا لأمزجة الطبقة الحاكمة وأخلاقها ومرتكزاتها التي أسّست لفرنسا الحديثة واعتبرت ولا تزال قدوة لكل حكّامها، خاصة أسطورة فرنسا نابليون بونابارت، والذي خطب في مجلس الدولة الفرنسي قائلا “لم استطع إنهاء حرب القاندي إلا بعد أن تظاهرت بأنني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعبا من اليهود لأعدتُ من جديد معبد سليمان” (ص 88)، لكم أن تتخيلوا طريقة تفكير مؤسس فرنسا الحديثة والذي يستعمل هذا الأسلوب الاستعراضي رغبة منه في إثارة إعجاب الجماهير واستعطافها ليخلق حالة من التنويم المغناطيسي. إن ما يؤكده غوستاف في كتابه أن القادة الفرنسيين لم يكونوا يوما من النوع المفكر القادر على صناعة رؤية وإستراتيجية متكاملة، بل يرى بأنهم عادة ما يكونون من النوع المغامِر المقامر القادر على قيادة الجماهير من خلال استعمال المحفِّزات المتطرفة من شعارات رنانة وكلمات حماسية بهدف توجيههم إلى حالة إيمانية قادرة على تحويل الفرد إلى قنبلة موقوتة تضحي بنفسها من أجل الجماعة، لكن كثيرا ما يأتي الأمر بنتائج عكسية خاصة حين تجد الرئيس الحالي لفرنسا يحاول إقناع الأفارقة خلال المؤتمر السنوي للسفراء أن فرنسا أنقذت منطقة الساحل من الإرهاب وأن الأفارقة لم يشكروها، فكان الرد قاسيا من الدول الإفريقية التي أكدت بلسان واحد أن السبب الرئيس الذي حال دون بقاء فرنسا في حِجر ألمانيا هو الجنود الأفارقة، هذه الحالة وأخرى تؤكد أن ماكرون تلميذ فاشل في مدرسة لوبون.

  … كثيرا ما يأتي الأمر بنتائج عكسية خاصة حين تجد الرئيس الحالي لفرنسا يحاول إقناع الأفارقة خلال المؤتمر السنوي للسفراء أن فرنسا أنقذت منطقة الساحل من الإرهاب وأن الأفارقة لم يشكروها، فكان الرد قاسيا من الدول الإفريقية التي أكدت بلسان واحد أن السبب الرئيس الذي حال دون بقاء فرنسا في حِجر ألمانيا هو الجنود الأفارقة، هذه الحالة وأخرى تؤكد أن ماكرون تلميذ فاشل في مدرسة لوبون.

النخبة الفرنسية بأعين لوبون
يقول غوستاف لوبون أن التلونّات التي طغت على النخبة الفرنسية خلال ثلاثين سنة في الفترة الممتدة ما بين 1790 و1820 جعلتها تغيِّر عقائدها السياسية والدينية بشكل مستمر وعلى أصعدة متعددة شملت نظام الحكم القائم والتوجهات السياسية وحتى العقائدية، ويعطي لوبون مثالا بالجمعية التأسيسية الفرنسية التي كانت تضم نخبة النخبة الفرنسية وتحولت من معاداة الملكية والدفاع عن الثورة والثورية إلى خدم لنابليون في امبراطوريته، وإلى حاملي شموع في المواكب الدينية للملك لويس الثامن عشر، ويضيف لوبون أن الجماهير الفرنسية تحولت في ثلاثين سنة من الكاثوليكية إلى الإلحاد إلى الكاثوليكية المتطرفة اقتداءً بقادتها (ص 150)، وهذا الذي يجعلنا نقف اليوم أيضا على المتناقضات الصارخة التي تحاول القيادة الفرنسية زجَّ الجماهير الفرنسية فيها، ففرنسا التي قدمت أمجن حفل افتتاح لألعاب الأولمبية في أوت 2024 دنَّست فيه كل المقدسات المسيحية المتعارف عليها، دعت كل قادة العالم إلى إعادة افتتاح كاتدرائية نوتردام في ديسمبر 2024، وهنا نفهم بما لا يدع مجالا للشك أن حكام فرنسا يحاولون استعباد روح الجماهير وتوجيهها لما يخدم مشاريع فئة معينة ذات مصالح ضيقة، لكنهم فشلوا مرة أخرى خاصة أن تساقط الحكومات في عهد ماكرون يشبه تساقط أوراق الأشجار في الخريف.

صناعة الوهم أداة أخرى
إن أهمّ أداة تحاول القيادة الفرنسية استخدامها وجعلها لوبون واحدة من أهم الأدوات المستعمَلة، فالنخبة الحاكمة الحالية تحاول دائما إيهام الداخل الفرنسي أن فرنسا قوة عالمية لا مجال لإغفالها مهما كان الوضع، فتهدد مثلا دولة كالجزائر بقطع الإعانات عنها بطريقة تحاول من خلالها إيهام الجماهير أنها مسيطرة ومؤثرة في المشهد الجزائري، لكن من يبحث في التفاصيل يجد أن 80 بالمئة من “الإعانات” التي يتحدث عنها حكام فرنسا تبقى داخل التراب الفرنسي بهدف تشجيع الجامعات والمعاهد على استقبال الطلبة الجزائريين، وهي آلية لسرقة العقول الجزائرية من أجل خدمة مجد فرنسا، أما الـ20 بالمئة المتبقية فتخُصَّص داخل الجزائر لدعم اللغة والثقافة الفرنسية ونشرها، في محاولة لإنقاذ مجد هذه اللغة الذي ضاع حتى داخل فرنسا نفسها، وهم يريدون من خلاله استثارة الجماهير وتحويل عاطفتها لخدمة مصالح ضيقة جدا.

على مشارف الهاوية
إن النخب الحاكمة في فرنسا تصنع الأساطير وتسارع إلى تصديقها، وتهاجم كل من يحاول أن يشكك في خزعبلاتها وذلك تنفيذا لرؤية غوستاف لوبون الذي يقول “إن معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها”، ولا تزال عقدة المستعمِر تعشش في أذهان هذه النخب التي لم تستطع أن تفهم أن العالم تغير، وأن العلاقات بين الدول تُبنى على الاحترام والتقدير المتبادل لا على أساليب التطويع، فالذي يعرف غوستاف يعرف أنه كان يوصف بمستشار الحكام، وأن فكره وتوجيهاته وُجدت لترافق الطغاة في تسيير الجماهير، لكن الذي غاب عن النخب الفرنسية، أن ما كان بالأمس مستعمراتها هي اليوم دول مستقلة ذات سيادة، وأن من كانت تحلم بأن يكونوا سكان جزء من أقاليمها هم في الحقيقة أسياد في أراضيهم، وأن ما يعيشه اليوم أحفاد نابليون من حضارة ليس إلا نتيجة لما قدّمته وتقدّمه العقول والأيدي الإفريقية، وأن هذا العرق بالتحديد لم يُخلق للاستعباد ولا يعرف التعايش مع الاستعلاء، وأن السبيل لمستقبل مشرق بين ضفتي البحر المتوسط تحتاج إلى تخلي حكام الإليزي عن مبادئ غوستاف لوبون، وإلا لن أجد أحسن من ما ختم به كتابه وكأنه يصف فرنسا وهي تعيش المرحلة ما قبل الأخيرة وأقتبس مما كتب: “وهذه هي دورة الحياة الخاصة بأمة ما: أي الانتقال من حالة البربرية إلى حالة الحضارة عن طريق ملاحقة حلم ما، ثم الدخول في مرحلة الانحطاط والموت ما إن يفتقد هذا الحلم قوته” (ص 199)، مع ذلك نتمنى كل الرقي والازدهار للشعب الفرنسي مع قيادة تقوده إلى مستقبل مزدهر.
المرجع: غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، دار الساقي، الطبعة الأولى 1991، لبنان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!