-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في معرض الحديث عن معارض الكتاب

عمار يزلي
  • 949
  • 0
في معرض الحديث عن معارض الكتاب

الإقبالُ الكبير على النسخة الأخيرة من المعرض الدولي للكتاب في الجزائر، والذي تجاوز عدد زواره، بحسب أرقام المنظمين، 6 ملايين زائر، يعكس ظاهرة جديدة قديمة، بدأت تأخذ منحى جديدا مختلفا عن طبعات معارض ما قبل جيل العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي والقراءة والتحميل الرقمي والمشاهدة والسماع والتصوير الآني واللحظي.

هذه الظاهرة ليست خاصية جزائرية، فالعالم كله يعيش هذه الحالة وأكثر، وما الحديث عن زوار المعرض الكثيرين واقتناء الكتب بكثرة، والقراءة بقلة، ما هي إلا ظاهرة عامة متجددة، عربيا ومحليا بشكل خاص وعالميا بطريقة أخرى، لكنها تصب في المنحى ذاته.

قبل نحو 40 سنة، أيام المعارض الدولية التي انتشر فيها “الكتاب الإسلامي”، كان الحديث حول القراء الجدد وصنف جديد من الكتب، بعيدا عن الكتب العلمية والأدبية، وكنا نلاحظ الإقبال الكبير فعلا على الكتب التراثية الإسلامية والدينية والفقهية المشرقية، خاصة تلك المجلدات الفخمة والضخمة والتي كانت تباع بسعر مقبول جدا، غير أن هذا لم يكن يعكس تطور القراء والقراءة ضمن هذا الصنف، بل كل ما في الأمر، أن تجارة تزيين خزائن الصالونات كانت رائجة وقتئذ، والتجار والخواص كانوا يقتنون الكتب ليس لجمال محتواها بل لجمال الأغلفة والتجليد. الكتب العلمية أيضا كان عليها إقبالٌ كبير وحقيقي، لاسيما كتب الطب التي كانت مفقودة في السوق ولا تظهر إلا مرة في السنة، خلال المعارض، والطلب عليها كان كبيرا عليها من طرف الطلاب خاصة والأطباء والمختصين، فيما لم تكن الكتب الأدبية تمثل ذروة السنم لا في القراءة ولا في الاقتناء. كانت موجة ذات خصوصية مرتبطة بظرف ومناخ سياسي معين، يتمثل في التحولات والتغيرات التي كانت تحدث ضمن الشرائح الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية قبل التعددية ثم ما بعدها إلى غاية العشرية السوداء.

اليوم، ومنذ أن دخلنا جيل الأنترنت ثم جيل الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد معارض الكتاب بشكل عامّ، كما كانت، حتى في العالم الأكثر تجذرا في القراءة، تاريخيا منذ ثورة البرجوازية الرأسمالية على الإقطاعية الغربية التي كبَّلت الاقتصاد وحصرت الثقافة والعلم في نخب يتنافس عيها النبلاء والملوك، مما أنتج أسماء كبرى في عالم الاكتشاف والاختراع العلمي، هيَّأ للثورة البورجوازية وانتشار الرأسمالية وفلسفتها، وليدة قرن الأنوار، ومنها القراءة ونشر الكتب الأدبية كملاحم تعبِّر عن تطلع هذه الفئة الحاملة لنبوءات المجتمع الحرّ الجديد.

حتى هذا العالم وهذا المجتمع العريق في الكتابة والقراءة وتجارة الكتاب، والصحافة النقدية وصالونات الإبداع والترويج، حتى هذا المجتمع المخملي سابقا، لم ينج من موجة الرقمنة وزحف الصورة الافتراضية وتقليص حجم القراءة واقتناء الكتب، وتسليع المعارض وتحويلها إلى مناسبات للتسوُّق والنُّزهة السياحية لالتقاط الصور واللقاءات العابرة والغابرة.

العالم العربي والإسلامي بشكل عامّ، وبسبب التاريخية الشفهية، معروف عنه أنه لا يقرأ كثيرا، ويفضِّل السماع والمشاهدة على القراءة: هذا الطبع مرتبط بتطبُّعه على الظروف الاجتماعية والمناخية منذ القديم: طوّرنا كعرب ثم كمسلمين آلية الحفظ والذاكرة الشفهية والقصص المسموعة والحكايات لكن من دون قراءة، إلا قليلا: السماع والخطابة والنقل والرواية الشفهية هي سمة ثقافية عندنا، لذا لا غرابة اليوم ألا نقرأ كثيرا وأن نتفرَّج كثيرا ونستمتع بالكلام أكثر. ومع جيل “السيلفي” والصور والنقل الحي وانتشار وهم “المؤثرين” والأبطال المزيفين ضمن المجتمع الافتراضي، تحوَّل الكاتب المؤلف إلى اسم مصور مسموع والكتاب إلى بضاعة غير مقروءة، تؤخذ مع الصور ويشترى التوقيع قبل الكتاب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!