في وداع علي فضيل.. الإنسان
إلى الآن لا أصدق أن صاحب القلب الكبير علي فضيل غادرنا بلا رجعة، ولا أتوقف عن التفكير في آخر لقاء جمعنا به قبل 15 يوما عندما حرص على الدخول إلى مكاتبنا ومصافحتنا واحدا واحدا، ولم يكن أحد منا يفكر بأن الرجل كان يودعنا… قالها واضحة “أنا أعتذر منكم وأطلب السماح”…
في هذه اللحظات أتذكر لقاء لي معه في سبتمبر 2005 قادما من جريدة الأحداث رفقة الزميل رمضان بلعمري، حينها أدركت أني وجدت مكاني الذي سأستقر فيه بعد تجوال بين عدة صحف يومية، كيف لا وأنا في حضرة علي فضيل الذي طالما سمعت عن نجاحاته وأنا في مرحلة الجامعة وأول ما لفت انتباهي هو تواضع الرجل وقدرته على الاستماع، وميله إلى التنكيت.
كان مكتب الأستاذ مفتوحا أمام العاملين بالمؤسسة مهما كانت درجاتهم ولا أذكر يوما اقترحت عليه موضوعا أو مبادرة رد بالسلب عليها إلا في سياق التصحيح أو التوجيه، وكان الباب مفتوحا للعمل الميداني سواء داخل الجزائر أو خارجها وبدأت مغامرة العمل الصحفي في مناطق النزاعات والحروب بدءا من حرب تموز 2006 إلى الأزمة الأمنية في لبنان 2008 إلى الحصار على غزة ثم ثورات الربيع العربي.
خلال هذه السنوات اكتشفت فيها سر نجاح علي فضيل فالرجل بارع في تحرير المبادرات وخوض تجارب العمل في المناطق المجهولة والبعيدة وكان دوما يؤكد لي أن العمل في هذه المناطق المحفوفة بالمخاطر هي خيار الصحفي ولم يكن يهتم لأمر العمل الذي أقوم به بقدر اهتمامه بسلامتي الجسدية وطالما حذرني من الاقتراب من أماكن الاشتباك، وأذكر أنه لم ينم الليل عندما احتجزنا قبل سنتين في مطار العاصمة البنغالية دكا أنا وزميلي عبد الحليم معمر وظل يتصل كل نصف ساعة طوال اليوم وكان الوقت ليلا في الجزائر.
كثيرة هي المواقف الإنسانية التي عشتها مع علي فضيل وكنت بحمد الله طرفا فيها، كان سرعان ما يراجع قراراته التي يتخذها في حالة غضب، ويطيب الخواطر بنكته الدائمة ولا يتردد لحظة في تقديم يد العون لمن يحتاج المساعدة، وأذكر أني حصلت سنة 2010 على زمالة بحثية في الولايات المتحدة الأمريكية واشترطوا علي حدا أدنى من المعرفة باللغة الإنجليزية فطلبت منه عطلة دون أجر لمدة شهرين، لأجل التفرغ للدراسة. فقال لي: لماذا تريد إيقاف الراتب؟ اذهب وادرس الإنجليزية واحتفظ بالراتب”.
هو علي فضيل الإنسان الذي فارقنا بعد أن أعطى بعدا جديدا للعمل الإعلامي في العالم العربي مزج بين طبق النظرية القيمية في الإعلام ميدانيا قبل أن تناقش في الملتقيات العلمية وفضاءات الجامعة.