قائد القسام… الرجل الذي نقل المعركة إلى العدو
يعد قائد كتائب القسام محمد الضيف “مثالا يحتذى به من قبل الجميع، فهو أسطورة يتحدث بها الأطفال وكل سكان غزة”، كما وصفه أحد ضباط أمن حماس، أما الأطفال فيقولون بأنه “يدافع عن وطننا”، هذا المدح جاء بعد غارة نفذها الجيش الإسرائيلي على منزل يعتقد أنه لقائد كتائب القسام، الذي لم يره معظم الفلسطينيين، والذي أيضاً تتحمس إسرائيل لقتله. بالنسبة للإسرائيليين، فقالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية “إن محمد الضيف هو العدو الأول للجيش الإسرائيلي، لأنه أذاق الدولة اليهودية ويلات العذاب بصفته قائداً للجناح العسكري لحركة حماس، إذ يصدر الضيف الأوامر بخطف الجنود الإسرائيليين وإرسال الانتحاريين إليها، ليس هذا فقط، بل نجا القائد العسكري لحماس من محاولات اغتيال عدة ما أكسبه لقب القط ذو الأرواح السبعة”.
وحسب مسؤولين من الاستخبارات والجيش الإسرائيلي الذين تحدثوا للصحيفة فإن الضيف هو العقل المدبر لاستراتيجية حماس الحالية المتعلقة بإطلاق الصواريخ على إسرائيل وبناء شبكة أنفاق يتسلل من خلالها مقاتلو الحركة إلى داخل إسرائيل، الأمر الذي أودى بحياة 63 جندياً إسرائيلياً داخل إسرائيل منذ بداية الحرب، وهو ما يجعل الضيف أحد أكثر الرجال المطلوبين في غزة من قبل إسرائيل.
ولفتت الصحيفة إلى أن شهراً من القتال حوّل غزة إلى مكان يصعب العيش فيه، خاصة بعد تقديرات الأمم المتحدة التي أشارت إلى أن ربع سكان غزة باتوا مشردين، إضافة إلى معاناة كل سكان القطاع من صعوبات بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الموارد الأساسية. وينظر المحللون العسكريون الإسرائيليون إلى محمد الضيف باعتباره عقبة أمام التفاوض من أجل إنهاء الحرب، وأن الهجمة التي نفذتها كتائب القسام بعد التوصل لوقف إطلاق نار مدته 72 ساعة وخروقات أخرى تشير إلى وجود انقسامات بين الجناحين العسكري والسياسي للحركة، حيث يتمتع الأول بنفوذ كبير على الأرض. وتقول الصحيفة إن محمد الضيف يعد بطلا في نظر الفلسطينيين باعتباره أحد القادة المتبقين من الجيلين الأول والثاني لحماس، وبسبب تحديه لإسرائيل، كما يعتقد أن الضيف يبلغ من العمر حوالي 50 عاماً، ولا يعرف كثير عن حياته العائلية أو حتى ما إذ الضيف هو اسمه الحقيقي، وإن هناك إشاعات تسري بأن الضيف بات رجلا مقعداً بعد إصابته في غارة إسرائيلية كلفته أيضاً إحدى عينيه وذراعه.
ونقلت الصحيفة عن عماد فلوجي، قائد بارز سابق لحماس أسهم في تأسيس كتائب القسام وأحد القلائل الذين التقوا بالضيف قوله “إن الضيف شخصية هادئة الطبع، لا يظهر كثيراً ويتخفى بين السكان، ويتنقل بين الدول بجوازات سفر وهويات مختلفة، وأحد أهم عوامل نجاته حتى الآن هو قلة عدد الدائرة المحيطة به، وهذا أيضاً هو سبب بقائه على الحياة حتى الآن“.
ولفتت الصحيفة إلى أن السرية التي تكتنف حياة الضيف زادت من شعبيته، كما أظهرت نتائج استطلاع أحد المواقع الفلسطينية، وأن النهج المتشدد تجاه إسرائيل الذي يتبناه الضيف “ينظر إليه باعتباره تمثيلا دقيقاً لمصالح ومطالب الشعب الفلسطيني“، وأوضحت أن شخصية الضيف برزت بشكل كبير خلال الحرب الحالية على غزة، وكان واضحاً الإعجاب الذي ناله من الفلسطينيين عندما ألقى خطاباً صوتياً على قناة الأقصى، حيث شوهد الفلسطينيون متسمرين أمام أجهزة التلفاز وهم يستمعون إليه، معلناً عدم الالتزام بأي وقف لإطلاق نار ما لم ترفع إسرائيل الحصار عن غزة.
ولفتت الصحيفة إلى أن محمد الضيف ولد في غزة والتحق بحماس في سن المراهقة، كما درس العلوم في الجامعة الإسلامية بغزة في الثمانينيات، وهو المكان الذي وطد فيه علاقته مع الحركة الإسلامية، بعد ذلك كون الضيف فرقة مسرحية أطلق عليها “العائدون” في إشارة إلى اللاجئين الفلسطينيين التواقين إلى العودة إلى أراضيهم التي عاشوا عليها قبل إنشاء إٍسرائيل عام 1948.
وحسب آفي ميلاميد خبير الشرق الأوسط في معهد أيزنهاور بواشنطن فإن الضيف واصل التمثيل حتى بعد انضمامه لحماس، لكنه شارك بأدوار صغيرة في مقاطع فيديو دعائية، وفي عام 1990 اعتقلته القوات الإسرائيلية ثم أطلقت سراحه لاحقاً.
في تسعينيات القرن الماضي أسهم الضيف في إنشاء كتائب القسام جنباً إلى فلوجي وآخرين، وسرعان ما اشتهر الضيف بصبره وحفاظه على السلاح، وقد لعب أيضاً دوراً محورياً في تطوير قدرات حماس، خاصة في مجالي الصواريخ والقنابل. وحسب محللين تحدثت إليهم الصحيفة فقد توسع الدور الذي اضطلع به الضيف في توسيع ترسانة حماس بعد قتل عملاء إسرائيليين معلمه يحيى عياش عام 1996 من خلال هاتف محمول مفخخ بالمتفجرات، وهو السبب الذي دفعه أيضاً إلى التخفي خشية الاغتيال.
وقال المحلل السياسي حمزة أبوشنب ابن أحد مؤسسي حماس إن قائد كتائب القاسم “توارى عن الأنظار منذ حوالي 20 عاماً“، وفي عام 2002 وبعد مقتل سلفه عين الضيف قائداً للقسام، وتعتبره إسرائيل مخطط الحملة المميتة من الهجمات الانتحارية على إسرائيل والتي استمرت حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي. وأشارت الصحيفة إلى أن الضيف عمل أيضاً على خط استراتيجية طويلة المدى ضد إسرائيل وأشرف على لجان تبحث عن زيادة حجم التمويل والسلاح القادم من إيران ومناطق أخرى، وبناء منظومة صواريخ معقدة، ليس هذا فقط، فقد أنشأ الضيف قوة من المقاتلين المدربين الذين يتمتعون بقدرات قتالية تمكنهم من تنفيذ المهمات داخل إسرائيل والعودة إلى قواعدهم سالمين، وحسب محليين فإن بناء شبكة الأنفاق هي من بنات أفكاره. وحسب محلل إسرائيلي فإن الضيف قال يوماً ما “إن حماس بحاجة لنقل المعركة إلى الداخل الإسرائيلي، لتعقب هذه الكلمات شبكة الأنفاق“، وختمت الصحيفة باقتباس من أبوشنب أن القائد العسكري لحماس محمد الضيف ليس له أي طموح سياسي “لكنه فقط يرغب في الإطاحة بالاحتلال الإسرائيلي من خلال المقاومة المسلحة“.