قانون المالية يسلب أموال شراء السلم الاجتماعي
عندما نزل وزير المالية، عبد الرحمن بن خالفة على لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، تحدث عن زيادات في الأسعار والرسوم ولم يقدمها كمقترحات قابلة للنقاش، مادام أن القانون لازال في مرحلة المشروع. كلام الوزير جسدته تعديلات اللجنة التي بدا واضحا أنها انحازت لطروحات الحكومة. فماذا بقي للنواب من فرص لتعديل القانون؟ وهل وصول عدد التعديلات إلى 86 كفيل بإسقاط المواد المثيرة؟ وهل بات البرلمان مجرد غرفة تسجيل فقط كما تقول المعارضة؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها الملف السياسي لهذا العدد.
انتقادات النواب لقانون المالية
جعجعة بلا طحين
يعتقد من شهد مناقشات النواب لمشروع قانون المالية 2016، ودرجة الانتقادات التي طالته من غالبية أعضاء الغرفة السفلى للبرلمان على اختلاف انتماءاتهم السياسية، أن المشروع سيتوقف يوم المصادقة عليه، غير أن الحقيقة غير ذلك، وسيتأكد مروره وفق إرادة الحكومة.
الانتقادات التي وجهت للمشروع يبدو أنها تنطوي على كثير من المصداقية، بالنظر لما تضمنه من إجراءات قاسية بحق المواطن، بل إن بعض هذه الانتقادات وصلت حد وصف المشروع بأنه “قانون حرب“.. واللافت في الأمر هو أن الكثير من الانتقادات كان مصدرها نواب حزب جبهة التحرير الوطني، بدليل وصول عدد التعديلات التي قدموها إلى 60 تعديلا من مجموع الـ 86 التي سيتم عرضها مجددا على لجنة المالية والميزانية للنظر فيها.
وليست هي المرة الأولى التي يشهد المجلس مناقشات بمثل هذه الحدة، غير أن النتيجة عادة ما تكون معاكسة، والسبب لا يحتاج إلى كثير من التفكير لتفكيك ألغازه، لأن المشكل أبعد من اتهام النواب بخيانة الأمانة، بل بالصلاحيات الممنوحة للهيئة التشريعية في الدستور، لا سيما ما تعلّق بصلاحياتها في ممارسة الرقابة على الجهاز التنفيذي.
فعلى الرغم من تكريس الدستور لمبدأ الفصل بين السلطات، إلا أن الجهاز التنفيذي عادة ما يفرض منطقه على الهيئة التشريعية، ولعل الجدل القديم المتجدد حول ما إذا كانت الحكومة مجبرة على عرض حصيلتها على البرلمان كل سنة، وكذا إمكانية الأخير في سحب الثقة منها في حال الإخلال بتعهداتها، أبرز مثالين على أزمة الصلاحيات التي تعرقل أداء الهيئة التشريعية لدورها الرقابي.

وبالعودة إلى التجارب السابقة، نجد أن النقاش الحر في الهيئة التشريعية مكفول لجميع النواب مهما كانت خلفياتهم السياسية والإيديولوجية، غير أن اتخاذ القرارات (المصادقة على القوانين) عادة ما تخضع لمقاييس أخرى يفقد خلالها النائب سيادة قراره وينصاع للأوامر الفوقية، والتهمة هنا موجهة لنواب الحزب العتيد.
ويؤكّد هذه القراءة العديد من الأحداث التي عاشتها الغرفة السفلى للبرلمان خاصة، وفي مقدمتها مقترح مشروع قانون تجريم الاستعمار، الذي حظي بدعم غالبية نواب المجلس ومن مختلف التشكيلات السياسية الممثلة فيه، إلا أن المشروع بقي حبيس أدراج المكتب، فيما اكتفت التبريرات الرسمية بالقول إن المقترح يتعارض مع السياسة الخارجية للبلاد، ويؤثر على مسار العلاقات مع المستعمرة السابقة، فرنسا.
وإن كان نواب التجمع الوطني الديمقراطي منسجمين مع مواقف حزبهم الداعمة دون شروط للحكومة، بدليل أنهم لم يقدموا تعديلا واحدا على مشروع قانون المالية، فإن التهم عادة ما تلاحق نواب الأفلان، وحزب العمال وكذا حركة مجتمع السلم، عندما كانت طرفا في التحالف الرئاسي المنهار.
فنواب العتيد يعارضون بشدة في المناقشات، ثم يصوّتون في النهاية على المشروع، وكذلك كان الشأن بالنسبة لنواب حركة مجتمع السلم، أما نواب حزب العمال فقد ابتدعوا مناورة لم يسبقهم إليها أحد، هو أنهم يقدمون العشرات من التعديلات ويقومون الدنيا ولا يقعدونها خلال المناقشات، ثم يعمدون في النهاية إلى الامتناع عن التصويت، في موقف لم يفهمه أحد، لأنه من غير المعقول أن يقترح نواب حزب معين تعديلا ما على مشروع قانون، ثم يمتنعون عن التصويت عليه في النهاية.
لا شك أن مثل هذه الممارسات لا يمكنها أن تطور الأداء السياسي للأحزاب، خاصة في ظل وضع سياسي بالغ التعقيد، يطبعه عدم اعتراف السلطة بأن المعارضة شريك سياسي مكفول الحقوق وفق نصوص الدستور.
نائب الأرندي وعضو لجنة المالية عمر عليلات
التقشّف لا يقتل!

المعارضة وصفت قانون المالية لسنة 2016، بأنه قانون حرب. ما تعليقكم؟
أنا لا أتفق مع هذا الوصف إطلاقا. قانون المالية ما هو إلا أداة من أدوات الدولة للقيام بدورها المؤسساتي. هم يتحدثون عن زيادات في كل شيء، في الرسوم، في الضرائب، في الأسعار. هذا أمر مبالغ فيه. ومع ذلك يمكنني القول إن الزيادات في الأسعار أو في بعض الرسوم، أمر طبيعي، لأنه لا مفر من الذهاب لحقيقة الأسعار، لكن بتدرج حتى لا نثقل على كاهل المواطن.
وبخصوص الزيادة في أسعار بعض المواد الطاقوية، أقول إنها ليست كبيرة بالشكل الذي يستوجب الضجة التي أحدثها بعض النواب خلال مناقشات مشروع قانون المالية هذه الأيام. إن تلك الزيادات لا تضر المواطن، وبالمقابل فهي لا بد منها، لأنها في صالح الدولة.
وأريد أن أضيف شيئا، وهو أن المعارضة تريد تهويل بعض ما تضمنه مشروع قانون المالية، والهدف واضح، وهو تخويف الشعب الجزائري. ودعني أؤكد بأن المشكل ليس في زيادة الأسعار وإنما في كيفية النهوض بالبلاد من كبوتها وانتشالها من أزمتها. ينبغي على الجميع أن يدرك أن الدولة لا يمكنها أن تبقى بقرة حلوبا إلى ما لا نهاية، مع التأكيد على أن المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع، مثل الحليب والخبر والسكر والزيت، لاتزال تحظى بدعم الدولة، وهذا هو الأهم.
نفهم من كلامكم أن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، مع فرض المزيد من الأعباء على المواطن. أليس كذلك؟
يجب على الجزائري أن يلعب دوره كمواطن، وأن يتفهم حاجة البلاد اليوم للمزيد من التضحية، في ظل التراجع الكبير الذي تشهده أسعار النفط في الأسواق العالمية. هناك أمور يتعين على المواطن القيام بها، والبقية تتكفل بها الدولة.
أين المشكل عندما نرفع قليلا من أسعار المازوت والبنزين. ينبغي عدم التهويل، وأن يتعلم الجميع ثقافة المواطنة ويتجنب مثلا تبذير الكهرباء والغاز والماء والوقود، وحتى الوقت يجب أن يدرك الجميع قيمته.
لقد تعودنا سماع عبارة “الشعب المحڤور“، إن الإمعان في ترديد مثل هذه العبارة فيه الكثير من التخويف. يجب التوقف عنه.
لكن المشكل قائم وهو أن هناك فئات محرومة و“محڤورة” حقا، وقد لا تصلها مساعدات الدولة بسبب فشل آليات الدعم المتبناة من قبل الحكومة؟
بالفعل، قد لا تتوفر الحكومة على آليات دقيقة لإيصال الدعم لمستحقيه الحقيقيين، وبالمقابل أعتقد أن الدولة تعمل من أجل الحفاظ على الطبقة الوسطى التي تشكل عماد أي نهوض اقتصادي. ومع ذلك يمكن القول إن التقشف لا يقتل، والذهنيات بجب أن تتغير.
كيف تفسر رفض بعض النواب المحسوبين على أحزاب السلطة لبعض ما جاء في قانون المالية؟
نحن في التجمع الوطني الديمقراطي نثمن ما جاء في مشروع القانون.
نعم، أدرك ذلك، لكني أقصد نواب الأفلان؟
من ينتقد ربما له نوايا أخرى لها علاقة بالشعبوية. يجب على الجميع أن يدرك أن النهوض بالبلاد من تخلفها يمر عبر مجموعة من القواعد، أولها المعرفة والإبداع والاستثمار والقوة العاملة، فضلا عن الإطار القانوني والتشريعي، هذا هو مسار التقدم الذي يتعين اتباعه لكي ننجح في المستقبل.
هناك من يقول إن قانون المالية يحمل المواطن نتائج فشل سياسة الحكومة في السنوات الأخيرة؟
أقول لهؤلاء: الله يهديكم. قولوا الحقيقة للشعب ولا تضللوه. المعارضة من حقها انتقاد الحكومة، ولكن عليها أيضا واجبات، من بينها قول الحقيقة، وإتقان العمل السياسي، وأنا على يقين بأن الوزير الأول وقبله رئيس الجمهورية، لم يدخرا جهدا من أجل إيجاد الحلول للمشاكل التي عاشتها وتعيشها البلاد.
أحد النواب قال إن أموال الريع التي دفعتها الدولة لشراء السلم الاجتماعي، تستردها اليوم بأثر رجعي من جيب المواطن. ما تعليقكم؟
هذه القراءة فيها الكثير من المغالطات. الدولة عندما كانت في راحة من أمرها وفرت العيش الكريم لشعبها. هل نسي هؤلاء الظروف الصعبة التي عاشها الجزائريون في عشرية التسعينيات، لكن عندما جاء الرئيس بوتفليقة أعاد للجزائريين كرامة عيشهم، والناس استفادوا جميعا. هذا ليس شراء للسلم الاجتماعي. ماذا لو لم يقم بالرئيس بما قام به؟ حينها يقولون أين ذهبت الأموال؟ الحمد لله الجزائريون أصبحوا يملكون طريقا سيارا، وميترو ومستشفيات وسكنات بفضل الدولة.
النائب عن جبهة العدالة والتنمية لخضر بن خلاف لـ”الشروق”:
نوّاب الأغلبية بلا ضمير.. والشعب المغبون لا يعنيهم!

كيف تفسّر الانتقادات الواسعة التي طالت مشروع قانون المالية 2016 من طرف نواب الموالاة؟
بداية، لأول مرة نرى نواب الموالاة ينتقدون مشروع القانون، لسببين: الأول هو أنّ أحزاب الموالاة اعتمدت على استراتيجية معينة لكسب ود المواطنين، فعندما كان المشروع في اللجنة كانوا يصرحون أنهم ضد الزيادات التي جاء بها، لا سيما فيما يخص الاستهلاك الطاقوي، ليظهروا أنهم مع المواطنين، ما جعلهم يقومون بهذا الإخراج الجديد، لأنّ المشروع في حد ذاته، الذي وصفناه بأخطر وأشرس وأسوإ قوانين المالية، إن لم يقفوا ضدّه في الظاهر على الأقلّ فسيُفضح أمرهم أمام الشعب الجزائري، بل في معلوماتنا، أن هناك حزبا فصل في أمره بالوقوف مع الحكومة وهو “الأرندي“، والآخر ترك المجال للمناورة ولم يعط الأوامر لنوابه، على أن يلتقي بهم قبيل التصويت، لأخذ التعليمة النهائية، والتي لا تخرج عن المصادقة بالأيدي والأرجل، أي سيصوتون واقفين مثلما فعلوا مع “قانون المحروقات“.
وماذا عن السبب الثاني..؟
هو مرتبط بالعدّ التنازلي للعهدة التشريعية الحالية، ومن ثم ظهر بعض النواب يقومون بحملة انتخابية مسبقة لتبييض صورتهم أمام الناخبين الذين لم يتلفتوا إليهم طيلة 3 سنوات.
لكن هل من المتوقع أن يعترضوا عند المصادقة على المشروع، أم ترى ذلك مستحيلا؟
عند المصادقة فهم لا يعترضون على المشروع، ولكن هناك بعض النواب الشرفاء من الموالاة الذين عارضوا خلال المناقشة وداخل لجنة المالية. فهؤلاء من المحتمل أن يتغيبوا يوم المصادقة، أما البقية فستوافق حتما، وقد عودونا على التصويت في النهاية حتى ضد مصالحهم، ومن ثم فالأكيد أن مشروع القانون سيمرّر، مع تعديلات طفيفة لا تمس جوهره، بدليل أن اللجنة المالية كانت ملكية أكثر من الملك بإقرارها زيادات على كل أنواع البنزين أكبر من مقترحات الحكومة أصلا.
في هذه الحال، أين هو ضمير النائب “الحرّ“، وما قيمة التمثيل الشعبي إذا كان لا يدافع عن مصالح المواطنين؟
هذه العهدة نعتبرها من أسوإ العهدات فيما يخص العمل البرلماني واستقلالية النائب في قراره، فالنواب عادة ما يأتون إلى الجلسة بقرار وليس رأيا يمثل حزبهم أو وليّ أمرهم، فمهما جئتهم بكل الحجج والأدلة على صواب رأيك وتعديلك، فلن يصوتوا معك، ومن ثمّ فإنّ الضمير النيابي غائب عن هذه العهدة بالذات، عكس الفترات السابقة، فالنواب كانوا عادة ما يصوتون عندما يقتنعون بأمر ما، مثل ما وقع في “منع استيراد الخمور” 2003، و تعديل “قانون الانتخابات” 2004، وذلك بالتنسيق مع أحزاب التحالف لا سيما “الأفلان“، حيث مرّ “القانون” لأنّ النائب كان مستقلّا إلى حدّ ما.
لكنهم يتحججون بـ“الانضباط الحزبي“، فهل يبرر ذلك تخلّي النائب عن قناعاته المبدئية وتعهداته أمام ناخبيه؟
الالتزام الحزبي لا يبرر ذلك، فعلى النائب أن يقوم بمهامه النيابية حسب البرنامج الانتخابي الذي تقدم به لمن انتخبوه، وأن لا يكون دوره ضد مصالح العباد والبلاد، خاصة إذا تعلق بإجحاف يراه من السلطة ضد المواطن وقدرته الشرائية، من خلال إثقال كاهله بالرسوم والضرائب، وهذه مسؤولية يتحملها الحزب بالدرجة الأولى، والنائب ثانيا، إذ الأصل أنّ الحزب الذي قدم النائب هو الذي يراقبه بما يحفظ مصلحة الشعب، وهو الذي يصوّب عمل النائب، وعليه أن يضع له “العقد” و“الميثاق” ليلتزم بتعهداته مع المواطنين.
هل ما يعيشه نوّاب الموالاة هو نتيجة منطقية للطريقة التي وصلوا بها إلى البرلمان، مثلما يقول البعض؟
هذا شيء طبيعي بالنسبة لهؤلاء النواب، فما يقومون به هو عربون وفاء يقدمونه لمن عينهم في البرلمان، حتّى يردوا الجميل بهذه المهمة القذرة، عن طريق الموافقة على كل شيء يأتي إلى البرلمان الذي تحوّل من هيئة إلى وظيفة تشريعية، يصادق على كل شيء، ولا تهمه في ذلك لا مصلحة الشعب ولا مصلحة البلد، بقدر ما تهمّهم الامتيازات التي يتحصّلون عليها مقابل رفع الأيدي.