-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قراءة في كتاب “ذكر شرقي منقرض”.. هل قتلت الذكورة الرجولة؟

فاروق كداش
  • 1030
  • 0
قراءة في كتاب “ذكر شرقي منقرض”.. هل قتلت الذكورة الرجولة؟

من الكتب التي استفزت الكثير من الرجال والذكور، على حد سواء، خاصة على صفحات التواصل الإلكتروني، كتاب جدلي بعنوان “ذكر شرقي منقرض”. وقد يكون هذا الموضوع اختير بعناية، للفت النظر وجلب تعاطف القراء، خاصة أنه يثير حافظة أي ذكر كان.. وقد استهل بإهداء صغير، فيه الكثير من الإيحاءات “إلى كل ذكر بالولادة، قرر أن يصبح رجلا بالحياة”… الشروق العربي، تقرأ ما بين السطور، في كتاب أريد به مصالحة الرجل مع ذاته، لكنه جعل الرجل ينزف، والذكر يتحسر، وشتان ما بين هذا وذاك.

يؤكد الكاتب، الدكتور محمد طه، في هذه النسخة الشرقية العربية، من “الرجال من المريخ والنساء من الزهرة”، أن هناك فرقا كبيرا بين الرجولة والذُّكورة. الذُّكورة هي النوع، والرجولة هي الفِكر. الذُّكورة هي الجنس، الرجولة هي السلوك. الذُّكورة هي البيولوجيا، والرجولة هي الموقف.. ويتابع قائلا: “الرجل كان طيبا وحسن النية، شجاعا شهما وغيورا، يحمي أهله وبيته بعمره.. ولكن وبكل أسف، تجمعت عدة عوامل في العقود الأخيرة، واختطفت من هذا الرجل رجولته، وتركت له- فقط- ذكورته.. أحرقت شهامته وجرأته وأبقت على صوته وصورته وعضلاته.. حولته من رجل حقيقي مبادر ومسؤول إلى رجل مزيف متباه بخشونته وقسوته.

وأراد الكاتب في لغة بسيطة وعناوين مستوحاة من “زقاق المدق” والأفلام المصرية القديمة، أن يستجدي عاطفة الرجل، وأن يرثي حاله التي وصل إليها، بعد أن سقطت آخر معاقل الرجولة أمام زحف التخنث والتميّع.

هذا الكتاب، يفتح نقاشا قديما قد أغلق من مدة طويلة عن ماهية الرجولة، وأين ضاعت، ومتى ضاعت، وكيف تركناها تضيع؟ ومن السبب في هذا الضياع؟ وكيف يمكننا استعادتها في هذا الزمن المؤنث المستذكر؟

وفي كل بلد عربي، كنا نسمع عن النسخة المشبعة بالتستوسترون للرجل الشرقي، أو “سي السيد” أو “الفتوة”. ونحن لسنا استثناء، فكم كان الجزائري يفتخر برجولته، التي لا تزيدها ذكوريته إلا احتراما ووقارا، ولا ننفك نردد جملنا الماتشية: “هذا راجل” و”هذا ذارڤاز”.. والآن، هاهو البديل الباهت يتسلل بيننا، تلك النسخة الصينية التي قد تبدو في ظاهرها “ماركة”، وإذا بطلائها يبهت بعد فترة قصيرة، لتكشف عن ذكر بصوت أخشن من زئير أسد، ولحية أكثر تشذيبا من جدائل العذارى، ولكن القلب قلب نعامة تبحث عن حفرة “تداري” بها خوفها.

نحن لا نزور المتاحف، ولكن قد يأتي زمن سوف يدفعنا الفضول إلى رؤية آخر رجل على الأرض، مكتوب تحت جثته المحنطة: “عاش ومات رجلا”.

أصل القصة “أم أوديب”

يقلب الكاتب عقدة أوديب، المتعلق بأمه، إلى عقدة أم أوديب، وأنه في مجتمعاتنا العربية الأم هي التي تتعلق بابنها، وتجعل منه رغم وجود والده رجل البيت من صغر سنه، خاصة أن معظم الأمهات يعشن علاقات متوترة مع أزواجهن، وهذا ما يسهل عملية إسقاط المشاعر على الأبناء، وخلق هذا الوحش الصغير، الذي سيغدو مع مرور السنوات ذكرا لا رجلا.

ويلخص الكاتب شخصية الرجل، من خلال أسئلته، عندما يتقدم لخطبة فتاة، ويقول إنه يفصح عن نفسه أيما إفصاح. فالمتسلط يسأل الفتاة عن عملها، ويضع لها بعض الشروط، خاصة شرط الطاعة. والرجل الشكاك يسأل عن الأصحاب والفايسبوك. والمهتم بالأكل يسأل عن مهاراتها في المطبخ. والطماع يسأل عن مرتبها، وغيرها… كل هذه الشخصيات لا تحتجب وراء قناع. فالرجل نرجسي إلى درجة يعتبر عيوبه مزايا خارقة. وهذا، ما نستشفه في الكلمة التي يرددها كثيرا: “الراجل ما فيهش العيب”.

متلازمة الرجل الخرافي

يعرض الكاتب في معرض حديثه عن أسباب ضياع الرجولة، أن المرأة قد تكون أحد الأسباب. فهي في نظر الكاتب مصابة بمتلازمة ستوكهولم. وهي نسبة إلى حادثة غريبة جرت في السبعينيات، تحول فيها الرهائن إلى مدافعين عن المختطفين، وتعاطفوا معهم إلى درجة أنهم دافعوا عنهم وبرروا أفعالهم عندما تم تحريرهم.

الجزائرية، أظنها قد أصيبت في ما مضى بمتلازمة ستوكهولم، وكانت تجد لأفعال الرجل الشنيعة ألف مبرر، وكانت تقسو على نفسها.. ولكنها، في هذا الزمن الذي جرد فيه الرجل من نياشين القوامة وأوسمة المروءة، تحررت من دور الضحية والمتعاطفة، فصار الذكر الذي كان يتغذى على تعاطفها، مسخا في المجتمع.. فلا أمه تدافع عن طيشه، ولا أخته تلتمس له الأعذار… قد نسمي هذا التحول تحررا، وقد يسميه البعض فجورا. هذا واقع لا ينكره أحد.. المرأة لم تعد خانعة للمنظومة الذكورية. والدليل، أنها تدرس وتعمل وتسعى للاستقلال، وأضحى الزواج بالنسبة إليها عملية إنجاب، لا غير، وعوضت هذه المنظومة الفاشلة بالنسبة إليها بمنظومتها الخاصة.

كلمة للذكور المسترجلة

قد يفوق مقامنا المقال، ولكن من المجدي أن نوجه كلمة إلى الرجال، لعل الذكور ينصتون. فالرجولة، معشر الذكور: هي بذل الندى، وكف الأذى، واحتمال الورى، والتخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل، ومن الفضائل: التواضع والكرم، وسلامة الصدر، والصبر، والشجاعة، والعفة، وغض البصر عن الحرام، والعدل، والحياء، والإيثار، والصدق، والإحسان، والتغافل عن زلات وأخطاء الآخرين.

وقال الشاعر:

فكُنِ الرُجولة ترتقي تسمو خطاك على الدوام

تلك الرجولةُ في الورى هي عِشقُ نفسي والغرام

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!