قرار مجلس الأمن: ما هي اشكالياته ومساراته؟
كان تصويت مجلس الأمن لصالح إنشاء قوة دولية داخل غزة لفرض وقف إطلاق النار على الجانبين خطوة اختُلِف فيها كثيرا ليس فقط بين الدول الأعضاء في المجلس لوحده، بل حتى بين الفلسطينيين أنفسهم، وكذا داخل الكيان أيضا.. وتدل هذه المؤشرات كلها على أنه ليس قرارا جامعا، وعدم الإجماع يعود لثلاثة أسباب أساسية.
السبب الأول: اختلاف الأولويات بين أطراف الصراع؛ فالمقاومة أولويتها حقن الدماء ولكن مع الاحتفاظ بحق السلاح، بينما الكيان أولويته مواصلة الحرب للقضاء على المقاومة وتحقيق الضم الكامل للأراضي مع إجهاض أي مسار يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية.
السبب الثاني: انقسام الفصائل الفلسطينية في الضفة وغزة، مما يعني أن غياب ممثل وحيد للجميع سيكون سببا لغياب الإجماع أيضا في العديد من القرارات اللاحقة.
السبب الثالث: توازنات القوى المختلة والتي مالت لصالح الكيان، وهذا بسبب موقف العديد من الدول العربية والإسلامية المؤيد والتابع للكيان بشكل واضح. وهذا ما جعل العديد من القرارات مبنية على أسس جيوسياسية أكثر منها قانونية عادلة. ومنه تميل إلى الحلول الإلزامية أكثر من ميلها إلى الحلول التوافقية.
هذه الأسباب الثلاثة هي أكثر ما يؤدي إلى عدم الإجماع ويتسبَّب في الاختلاف.
وبناء على ذلك، ستتضح للمتابع صورة عن الإشكاليات الكبرى التي طُرحت أمام الجزائر:
الإشكالية الأولى: مادامت السلطة الفلسطينية هي الممثل القانوني الوحيد للشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة وقد قبلت بالقرار، فإنه مهما كان الاختلاف معها فلن تستطيع الجزائر ألا تأخذ موقف السلطة بعين الاعتبار لأنها ستصوِّت عليه كممثلة لها وللمجموعة العربية في مجلس الأمن.. وبما أن المجموعة العربية قبلته وقد نشرت بيانا لتأييده حتى قبل التصويت عليه، فإن التصويت سيكون تحصيل حاصل للإجماع الفلسطيني والعربي. وإن عارضته الجزائر أو امتنعت عن التصويت فهذا يعني أنها ضد المجموعة التي تمثلها، فضلا عن أنه لا يمكن أن تطرح الجزائر تعديلات في القرار ثم تصوِّت ضدها في النهاية! كما لا يمكنه فرض تعديلات جوهرية تتعلق بالإغاثات وإعادة الإعمار مثلا ثم تمتنع عن التصويت لصالحها، فمن الناحية المنطقية أصبح هذا الموقف يشكل إشكالية أولى بالنسبة للجزائر تتطلب التصرُّف.
الإشكالية الثانية: من حيث المضمون فإنه يتطلب مسارا سياسيا لتطبيقه.. والقرار الذي صوتت الجزائر لصالحه يتضمن مسار إقامة الدولة الفلسطينية ضمن صيغة (ثوابت حل القضية الفلسطينية) والحفاظ على وقف إطلاق النار ومنع التهجير -والذي شاع مؤخرا في العديد من الملفات ومن بينها ملف الطائرات المجهولة التي تحط في جنوب إفريقيا وغيرها- باعتباره ثابتا من الثوابت أيضا، وكذلك إدراج جهود الإغاثة وإعادة الإعمار بالأخصّ، وهذا سيمر عبر مراحل عديدة تُفرض فيها خطوات معينة. ولكن موضوعيًّا فإن الخطوط الكبرى لهذا القرار قد جرت المصادقة عليها في صفقة وقف إطلاق النار في قمة شرم الشيخ بمصر في 9 أكتوبر الماضي بين المقاومة والوسطاء والكيان.. وكل الذي أتى لاحقا هو بكل واقعية تحصيل حاصل لخطة موضوعة مسبقا وجرى الاتفاق على خطوطها الكبرى ولكن لم تحدد تفاصيلها فحسب.
أما الجزائر فقد وجدت أن قرار اليوم بإحلال قوة دولية للسلام في غزة قد وافقت عليه أصلا السلطة الفلسطينية كممثل سياسي للشعب الفلسطيني بالأمم المتحدة ومعها الدول العربية المعنية بالوساطة -كما مر آنفا في الإشكالية الأولى السابقة-.. فمنطقيا: على أي أساس ستخالف الجزائر الموقف الفلسطيني الرسمي -أي السلطة- وكذا موقف الدول العربية الوسيطة في صفقة كانت المقاومة بالأساس قد قبلت بها سابقا؟ هنا يمكن القول إن المقاومة والجزائر على حد سواء وجدا إشكالية متقاربة: فالمقاومة رغم قبولها بالصفقة التي تمثّل أصل القرار إلا أنها لم تقبل بالكيفية التي سيجري بها تنفيذ تفاصيلها. والجزائر رغم اختلافها مع تفاصيل القرارات المطروحة ولكن لا يمكنها رفض المبادئ التي بُنيت عليها، وهي الصفقة التي أبرمتها دولُ الوساطة والتي تكون الجزائر ممثلا لهم في هذا المجلس.. الإشكالية إذن مفروضة كتحصيل حاصل للمسار السابق كله .
مادامت السلطة الفلسطينية هي الممثل القانوني الوحيد للشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة وقد قبلت بالقرار، فإنه مهما كان الاختلاف معها فلن تستطيع الجزائر ألا تأخذ موقف السلطة بعين الاعتبار لأنها ستصوِّت عليه كممثلة لها وللمجموعة العربية في مجلس الأمن.. وبما أن المجموعة العربية قبلته وقد نشرت بيانا لتأييده حتى قبل التصويت عليه، فإن التصويت سيكون تحصيل حاصل للإجماع الفلسطيني والعربي، فضلا عن أنه لا يمكن أن تطرح الجزائر تعديلات في القرار ثم تصوِّت ضدها في النهاية!
الإشكالية الثالثة: إن الكيان أصلا لم يرحِّب بكل بنود القرار. وهنا يكون الأمر الإيجابي هو كون القرار يتضمن تنافرا من الجانبين معا وليس من جانب واحد فقط، أي من المقاومة والكيان معا. وبما أن الجزائر أضافت التعديلات التي تجعل من هذا القرار مرحلة للترتيبات الانتقالية، فهذا يعني أن الحفاظ على وقف إطلاق النار والترتيب لإقامة الدولة الفلسطينية -مع كل ما يترتَّب عن ذلك من نتائج- هو الهدف الأساسي للقرار وليس العكس. وفي هذه الحالة سيكون الكيان رافضا له أكثر من رفضه لسلاح المقاومة نفسه لأنه لو قبله فسيقبل كل ما يتضمَّنه أيضا من شروط -ومن بينها عدم استئناف الحرب والانخراط في مسار التسوية الشاملة- بينما الكيان لم يثبت ذلك بسبب التعارض بين المراحل الأولية والأهداف النهائية والتي تشكل خلافا كبيرا مع أهدافه داخل الكيان نفسه. وهذا ما قد تثبه ردود فعل الكيان والذي قد لا يلتزم بهذا القرار أصلا وسيحاول إحداث أكبر قدر من التصدُّع فيه، فالإشكالية هنا أمام الجزائر تمثلت في كيفية إدخالها تعديلات إضافية تخفِّف من جهة الآثار السلبية للصفقة على الفلسطينيين وتفرض شروطا من جهة أخرى على حركة الكيان. وكان ممكنا لروسيا والصين تعطيل القرار بمجرد الفيتو ولكنهما لم يفعلا. ويبدو أن إشكاليتهما في عدم استخدامه تمثلت في كون أنهما لو فعلا ذلك لتم رفض شرط مسار إقامة الدولة الفلسطينية وكذا شرط عدم استئناف الحرب المدرجين في القرار، وهذا سيكون نتيجة عكسية لصالح الكيان قانونيًّا. أما الامتناع -بالنسبة لدولتين لهما حق الفيتو- فهو قبولٌ ضمني وليس امتناعا حقيقيا لأن صلاحيتهما القانونية أكبر من باقي الأعضاء غير الدائمين.. فالمعايير تختلف بين صاحب حق النقض وغيره. وهذا يمكنه فتح نقاش حول مصالح هذين الطرفين مع الولايات المتحدة الأمريكية ولكن ليس في هذا المقام.
الخلاصة:
هذه الإشكاليات الثلاث تحيلنا إلى رصد ثلاثة مسارات وهي:
المسار الأول: مادامت المقاومة قد أعربت من قبل عن استعدادها “لتحقيق هدف نزع السلاح” بدلا عن “نزع السلاح”، وهو تعبيرٌ يشير إلى إمكانية وقف أي عمل عسكري يحفظ الأمن المتبادل -وهو الهدف الأساسي من أي عملية نزع للسلاح- لكن ليس بالضرورة عبر نزعه.. أي توفير المناخ الذي يتشكّل لو نُزع السلاح لكن ليس بالضرورة عبر وسيلة وحيدة فقط.. فإن هذا يعني إمكانية فتح مسار تفاوضي حول تطبيق هذا القرار بعدة أساليب لأنه ليس متضمّنا لأي تفصيل لكيفية القيام بذلك. وهذا يمثل مسارا تفاوضيا سياسيا.
المسار الثاني: إذا كانت القوة الدولية المزمع إدخالها في غزة قد وصلت إلى تفاهمات مع المقاومة، فإنه مهما كان شكل وجودها في القطاع فقد يكون ذلك إشكالية عسكرية بالنسبة للكيان الذي لا يستطيع استئناف الحرب ضد قوات دولية داخل غزة وهذا قد يقلص من هوامش خياراته الحربية عكس الحرب المفتوحة الآن.
المسار الثالث: إذا لم تصل المقاومة والقوات الدولية إلى تفاهمات فقد تصنِّفهم كقوات معادية وتتعامل معهم كما تتعامل مع قوات الكيان تماما وهذا يعني استئنافا للحرب ولكن بشكل أوسع بسبب دخول فاعلين آخرين في المعادلة.. وحينها فقد لا تبقى الحرب محصورة بين المقاومة والكيان بل تتعدَّاها أيضا إلى خلافات واسعة بين الدول المتدخِّلة نفسها والتي ستواجه أزمة تفاهمات غير مسبوقة في تاريخ القضية قد تصل إلى حد الصدام.
هذه عموما الإشكاليات الثلاث الكبرى التي واجهت القرار والمسارات الثلاثة الهامة التي قد تحيط بمستقبله.