قصّة الرّجل الذي حيّر فرنسا واستمال أمريكا
قدم لنا مخرب قبر مسعود زقار بمقبرة العلمة خدمة فذكرنا بهذا الرجل الظاهرة الذي شقّ طريقا ثوريا من نوع آخر، وكان متفردا وسابقا لزمانه في فهم النضال وطرق ضرب العدو بمعطيات جديدة تعتمد على الاستعلامات التي أتقنها وكان بمثابة دعامة استخباراتية للثورة الجزائرية، وصنف العدو الأول لفرنسا إبان ثورة التحرير وبعدها. فالرجل في نظر العارفين يعتبر مؤسسة لها مكانتها في صناعة القرارات المتعلقة بالدول والسياسات الخارجية، والتوجه العام للأنظمة. فهو من الرجال الذين عاشوا في الظل ورحلوا في صمت، لكن بين الظل والصمت حقائق تهز كيان دول. وقد دفعنا من نبش قبره منذ يومين إلى الوقوف عند مقامه لننبش بدورنا في تاريخ هذا الرجل الذي كان زعيما فوق العادة.
من بائع حلوى إلى أول عربي يصنع السلاح
عرفت الجزائر رجالا كبارا رسموا إمضاءاتهم بقلم ذهبي، لكن بالنسبة لمسعود زقار هناك ثورة غير تقليدية، وبُعداً آخر لمفهوم الكفاح والنضال. الراحل مسعود زقار ظاهرة نادرة في الشق الخفي لتاريخ الجزائر قبل وبعد الثورة، ونقول خفيا لارتباطه بالجانب الاستخباراتي الذي يعد بمثابة الحلقة اللغز التي كانت تصنع القرار دون الظهور على سطح الأحداث. فإذا كان وقود أي ثورة هو التسليح فزقار شذ عن الداعمين للثورة الجزائرية بالسلاح الروسي المتمثل في الكلاش، والمسدس والقنبلة اليدوية، ومختلف الصناعات الروسية في هذا المجال والتي كانت تشترى وتدخل الجزائر خفية، بينما مسعود زقار قام بإنشاء مصنع للسلاح بالمغرب من أجل تسليح الثورة الجزائرية، وهي التجربة التي تعد الأولى من نوعها في العالم العربي وفي العالم الثالث، وهو أول من اشتغل في صناعة العتاد الحربي. وهي ثمرة رجل بدأ نضاله بمدينة العلمة التي كانت مهدا للزعيم الذي أتعب من حاول تقليده.
مسعود زقار ولد بتاريخ 8 ديسمبر 1926 من عائلة ثورية فقيرة، درس المرحلة الابتدائية بالعلمة، واشتغل مع والده في مقهى ثم في بيع الحلوى، وبدل أن يواصل هذا النوع من التجارة فكر في صناعة الحلوى بدل الاكتفاء بشرائها وبيعها وفعلا نجح في إنشاء ورشة لصناعة الحلوى كانت تعرف باسم البرلينغو. وكانت الورشة مِعلما لإرهاصات وميول رأسمالية لشاب يتقن حرفة كسب المال. وتزامن ذلك مع نشأة حركة نضالية بمدينة العلمة بقيادة جيلاني مبارك الذي كان يرأس قسمة حزب الشعب والذي اشتهر بنضاله منذ أربعينيات القرن الماضي. وكان مسعود زقار من الشباب الذين انخرطوا في النشاط الكشفي بالعلمة والنضال السياسي وكلفه ذلك الدخول الى السجن في سنة 1945 حيث قضى عدة أشهر ليستفيد سنة 1946 من عفو البرلمان الفرنسي. فيعود لنشاطه الإنتاجي الذي يوسعه إلى مدينة وهران واستأنف أيضا نضاله السياسي تحت مظلة حزب الشعب وبعدها حزب جبهة التحرير الوطني، وفي جوان من سنة 1956 التحق بمركز قيادة الولاية الخامسة بوجدة وتعرف على هواري بومدين، ونشأت بين الاثنين علاقة صداقة متميزة. لتبدأ مغامرة مسعود زقار الذي اشتهر باسمه الثوري رشيد كازا نسبة إلى كازابلونكا أي مدينة الدار البيضاء بالمغرب. وهي التسمية التي أطلقها عليه بوصوف الذي يكلف زقار في نفس السنة بإنشاء المصلحة الخاصة بسلاح الإشارات، المكلفة بتزويد جيش التحرير الوطني بالأسلحة، والمتفجرات وأجهزة الاتصال اللاسلكي. وهي من أصعب المهام في تلك الفترة والتي بدأها رشيد كازا من المغرب، وبفضل العلاقات التي كونها مع ضباط أمريكيين المقيمين بالقاعدة العسكرية الأمريكية الكائنة بمنطقة النواصر المغربية يتمكن بدهاء كبير من الحصول على أجهزة اتصال لا سلكي، ويقوم بعدها بجولة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا وألمانيا ليوسع علاقاته بالممولين بالسلاح عبر عديد المناطق. وفي جويلية 1956 يعود إلى قائده بوصوف فيفاجئه باقتراحات جريئة تتعلق بإمكانية تدعيم الثورة بأسلحة متنوعة وأجهزة راديو. كما نجح زقار في اختراق القاعدة الأمريكية بالمغرب وأصبح يشكل مصدرا استخباراتيا مهما وممولا للثورة بالسلاح وأجهزة الاتصال، بما فيها الجهاز الذي استعمل في البث الإذاعي لصوت الجزائر بالناظور.
وبإتقانه للغة الإنجليزية ينجح زقار في تكوين علاقات مع شخصيات أمريكية، وأعضاء بالكونغرس الأمريكي، وحسب صديقه جيلاني الصغير الذي التقيناه بمنزله الكائن بحيدرة بالجزائر العاصمة فإن زقار نجح في ربط علاقات بمحيط الرئيس الفرنسي ديقول، وكان يوظف كل هذه العلاقات في خدمة الثورة الجزائرية. فكان لبنة أساسية في الاستعلام الحربي، وكان يزوّد قيادة الثورة بالمعلومات ويتصل مباشرة ببوصوف وبومدين.
علاقات زقار توسعت إلى أن نجح في إنشاء مصنع للأسلحة بالأراضي المغربية، فظاهريا المصنع يبدو مختصا في صناعة الملاعق والشوكات ويعمل به عمال أجانب من دولة المجر، لكن في المستودعات الخفية المكان مخصص لصنع الروكات أو ما يسمي بالبازوكا. وكان رشيد كازا يحرص على سرية مكان المصنع ولا يشغل فيه إلا المقربين من أهله، ومن أبناء مدينته العلمة أمثال جيلاني الصغير وزقار عبد الله ومنصوري خالد وزقار عبد الحميد، ومزنان علي وغيرهم. وكان هؤلاء يشرفون على تركيب قطع الغيار التي يستقدمها زقار بطريقته الخاصة من أمريكا. وهي الطريقة التي ظلت مجهولة ولا يعلمها حتى المقربين منه. وحتى العمال المغاربة الذين تم تشغيلهم كانوا يجهلون النشاط الخفي للمصنع فكانوا يُعزلون في مستودع ويقومون بتفتيت مادة “ار دي ايكس” وفي اعتقادهم أنها تدخل في صناعة البلاط، بينما هي نوع من المتفجرات التي لها مفعول أقوى من “تي ان تي”. وحسب السيد جيلاني فهي المادة التي كانوا يذوبونها فيما بعد في حمامات خاصة، ثم تعبأ بها القذائف التي كانت توجه للثورة، وتدخل الجزائر عبر الحدود المغربية.
وكان زقار يؤمن بأن أي حركة ثورية يجب أن تقوم على عاملين اثنين، أولهما المعلومات التي كان يستقيها من جهات مختلفة، وبلغ به الأمر حد التجسس على محيط ديقول، وثانيهما المال الذي تحصل عليه بتوسيع نشاطه التجاري، وتنمية ثروته التي خصصها لخدمة القضية الوطنية. وهناك عامل آخر جسده زقار بإتقان ويتعلق بسرية التنظيم فلم يكن يخبر أحدا بما يفعل أو بما في نيته، وحتى أمين سره ورفيقه الدائم صغير جيلاني الذي تحدثنا معه مطولا لا يعلم من أسرار زقار إلا القليل، ويقول إن الرجل كان متحفظا للغاية ويملك حسّا أمنيا لا يتحلى به أي شخص آخر. وعلى سبيل المثال لم تتمكن أي شخصية من قيادات الثورة من زيارة مصنع السلاح ما عدا صديقه الحميم هواري بومدين، وكان ذلك في سنة 1961 وسبق له ذات مرة في حديث له مع فرحات عباس أن أخبره هذا الأخير بأنه منبهر بالأسلحة التي تأتي من المغرب، ويتعجب كيف لا يعلم مكان هذا المصنع فيجيبه زقار ضاحكا، لو كنتم تعلمون بمكانه ما وصلتكم كل هذه الأسلحة ولكُنا جميعا في السجن. وعند الاستقلال يقول جيلاني صغير بأنه بقي مع بعض الرفاق بالمصنع لبضع أسابيع، ثم أمرهم مسعود بالدخول بعد تفكيك المصنع، وردم آلياته تحت التراب لتنتهي بذلك قصة هذه المؤسسة مونت الثورة الجزائرية وأنهت مهمتها بنجاح.
علاقات تمتد إلى قلب أمريكا واستثمارات عابرة للحدود
وبعد الاستقلال خلع زقار قبعة العسكري المجند وفضل الخروج من الجيش ليعود لنشاطه كرجل أعمال فأصبح يتكفل بطعام ولباس الجيش الوطني، وكان يشرف على تسيير عدة مصانع لإنتاج الحلوى واللبان والمصبرات، والعجائن كما أصبح وسيطا بين الدولة الجزائرية، ومختلف الشركات الأجنبية، ولم يتوقف عند هذا الحد بل وسع نشاطه إلى عدة دول عربية وإسلامية كالعراق والسعودية، ومصر وليبيا وإيران، وسوريا وغيرها من الدول. وحسب جيلاني صغير فإن الرجل أصبح يشتري البترول من دول الخليج ويصدره إلى الدول الأمريكية والأوروبية، وطبعا بهذا النشاط تمكن من تكوين ثروة هائلة، ويقول البعض بأن رأسماله في السبعينيات فاق 2 مليار دولار. وهي الثروة التي تفوق ميزانية دولة في تلك الفترة.
وبالرغم من التوجه الاشتراكي للجزائر في الستينيات، والسبعينيات إلا أن مسعود زقار كان يميل دوما نحو الرأسمالية، فقد تنبأ بسقوط الاشتراكية، والاتحاد السوفياتي، وكان موقنا بأن الهيمنة العالمية ستكون أمريكية، ولذلك كان تعامله مركزا أكثر على الولايات المتحدة الأمريكية التي يرى فيها القوة الفعلية التي فرضتها الأوضاع الدولية. فكان بمثابة عين بومدين في أمريكا، وظل الوضع كذلك بالرغم من قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والولايات المتحدة بعد الحرب العربية الاسرائيلية سنة 1967، حيث بقي زقار الدبلوماسي السري الذي له أيدي في معظم الإدارات الأمريكية، وأهّله ذلك إلى تكوين شبكة من الاستخبارات التي جعلته يتحكم في المعلومات عبر العديد من الدول. وتعرف على أبرز الشخصيات كالرئيس السابق نيكسون الذي يقنعه مسعود باستقبال الرئيس هواري بومدين سنة 1974 ويتولى مسعود بنفسه التحضير للزيارة وضبط برنامجها، كما كانت له علاقة مع كاسي المدير السابق لوكالة المخابرات الأمريكية، وكذا رائد الفضاء فرونك بورمان الذي يزور الجزائر بدعوة من مسعود ويستقبل من طرف الرئيس هواري بومدين.
علاقاته امتدت أيضا الى جورج بوش الأب قبل أن يصل إلى الرئاسة، والذي يصبح فيما بعد نائبا للرئيس ريغن، وقد كان جورج بوش الأب صديقا لمسعود، ولما زار الرئيس السابق الشاذلي بن جديد الولايات المتحدة الامريكية في عهد الرئيس ريغن التقى بجورج بوش الأب الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس وقال للشاذلي بلغ سلامي لصديقي زقار.
والحقيقة التي يجهلها الكثير تتعلق بإنقاذ الجزائر من هجوم أمريكي وشيك، وكان ذلك سنة 1967 خلال الحرب العربية الاسرائيلية، ففي الوقت الذي كانت الجيوش العربية في مواجهة مع الإسرائيليين، كان الأسطول السادس لأمريكا يحوم في البحر الأبيض المتوسط، وبالضبط في نواحي شرشال، وبفضل التحركات التي قام بها زقار مع القيادة الأمريكية غادر الأسطول المكان، وتم تجنب الكارثة بسلام.
زقار.. الرجل الذي صفع فرنسا وأصبح عدوها الأول
ومن جهة أخرى كان مسعود يدعو المستثمرين الأجانب خاصة الأمريكيين الى الاستثمار في الجزائر، واكتشاف السوق الجزائرية، وفعل ذلك مع الملياردير روكفيلر، كما كان وراء إبرام عقد مع شركة “البازو” الأمريكية من أجل شراء 10 ملايير متر مكعب من الغاز السائل على مدى 25 سنة، وهي العملية التي تعتبر من أكبر الصفقات الجزائرية في سنة 1969 كما كان مسعود وراء استفادة الجزائر من قرض يقدر ب 300 مليون دولار قدم لها من طرف بنك يدعى” ايكسيم بنك” وكان ذلك من أجل تمويل مشروع مركب الغاز المميه بأرزيو، وبهذه العمليات مهدت الجزائر لبسط السيادة على الغاز الجزائري، وتحريره من السيطرة الفرنسية، وبذلك تم تأميم المحروقات بتاريخ 24 فبراير 1971 حيث يؤكد بلعيد عبد السلام بان عقد شركة “البازو” الأمريكية، وقرض “أيكسيم بنك” كانا عاملا مهما في تأميم 51% من المحروقات.
وبالتالي كان زقار يقلق السلطات الفرنسية، التي كان يرعبها اسم هذا الرجل الذي ضيع عليها عدة مصالح في الجزائر، ولذلك سعى الفرنسيون الى ملاحقته في كل مكان.
الزعيم ينجو من المؤامرة والسؤال المحير من قتل رشيد كازا؟
لكن بعد وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين تغير كل شيء بما فيها السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، حيث أعلن الرئيس الشاذلي القطيعة مع كل الرموز البومدينية، وأصبح مسعود زقار من الأسماء المستهدفة، ويتم القبض عليه من طرف رجال الأمن العسكري سنة 1983 ويودع الحبس المؤقت، بعدما لُفقت له تهمة الخيانة والمساس بالدفاع الوطني والاقتصاد الوطني، فمكث في الحبس المؤقت مدة 33 شهرا، وبعد امتثاله أمام المحكمة العسكرية بالبليدة تحصل على البراءة، وكان مسعود كالزعيم داخل جلسة المحاكمة حيث أثبت براءته وكل الشهادات كانت لصالحه، وفهم حينها زقار أن العملية مدبرة. وقد تأثر صحيا من فترة حبسه ورغم نيله للبراءة لم يفكر إطلاقا في الانتقام، وهو الرجل الذي كان بإمكانه الاستنجاد بعلاقاته، خاصة الأمريكية لكنه رفض أي تدخل أجنبي. وعند خروجه من الحبس استأنف نشاطه بصفة عادية، وشاءت الأقدار الإلهية أن يفارق الحياة بتاريخ 21 نوفمبر 1987، وكان ذلك بالفندق الذي يملكه بالعاصمة الاسبانية مدريد، حيث كان جالسا رفقة العائلة، ولما صعد إلى غرفته سقط فجأة مغشيا عليه، ولم يستيقظ بعدها أبدا. وحسب أخته فإن وفاته كانت صدمة كبيرة، ومفاجأة غير منتظرة لأن مسعود لم يكن مصابا بأي مرض، ولذلك ظلت وفاته إلى يومنا هذا لغزا محيرا خاصة أن عملية الدفن تمت دون تشريح الجثة. وأمام هذا الغموض ظل البعض يطرح سؤالا كبيرا من قتل رشيد كازا سنة 1987 ومن نبش قبره منذ يومين؟ ومهما كانت الإجابة الزعيم يبقى زعيما، وكذلك هو ابن العلمة مسعود زقار.