-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قواعد الاشتباك تتغير.. مستقبل العالم مرهون بمنطقتنا؟

صالح عوض
  • 2532
  • 0
قواعد الاشتباك تتغير.. مستقبل العالم مرهون بمنطقتنا؟

ما الذي يجري في ساحتنا؟ أي مجرمون هؤلاء الذين يعملون على إلغاء مسلماتنا وثوابت هويتنا لنصبح قطعا مشتتة لا قيمة لها ولا وزن؟ من المسؤول عن تمزيق وحدتنا قوميات وشعوبا وقبائل وطوائف ومذاهب؟ ومن سيتحمل إهراق الدماء وتدمير المدن والعمران وتهجير الملايين من أبناء الأمة؟ فهل نحن الآن بصدد تغيير قواعد الاشتباك مع الغرب الاستعماري؟ هل تنجح المخططات الشيطانية بإلغاء احتمالات نهضتنا؟ أي مرحلة نحن نعيش في سلم الصراع بيننا وبين الغرب الاستعماري؟ ثم نسأل أخيرا هل ما زال الغرب يمتلك قوة دفع للتحكم في مجريات الصراع؟

من  الواضح أن هناك تصارعا على جغرافيتنا سيكون لنتائجه الدور الحاسم في تشكيل العالم من جديد وتشكيل خارطة القوى ونفوذها في العالم.. فلم تعد المسألة مرهونة بتنمية وتبعية واقتصاد مرتهن ولم تظل المسألة حبيسة علاقات سرية بين هذا النظام وتلك الجهة الدولية.. فلقد انكشف المشهد على وسعه بعد أن قامت الولايات الأمريكية بحلف دولي للهجوم على العراق فكانت الخطوة الفاصلة بين مرحلتين.. لا بد من الانتباه إلى خطورة هذه اللحظة الفارقة على اعتبار أن كل ما سيأتي بعدها لا يشبه ما سبقها. فبعد احتلال العراق من قبل الجيوش الأمريكية والغربية وإسقاط الدولة العراقية وتفتيت جيشها اتضحت ملامح المخطط الأمريكي كما قالتنت، مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق، لياسر عرفات، مهددا في كامب ديفد: “انتبه.. لا أحد يمكن أن تعتمد عليه في المنطقة لأن خارطتها ستتغير رأسا على عقب“.. وصرح بذلك أكثر من مسؤول أمريكي وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية، ممثلة بجورج بوش وكوندليزا رايس حول شرق أوسط جديد عن طريق الفوضى الخلاقة.. وذهب المنظرون الأمريكان إلى التبشير بالمرحلة القادمة وصنعوا لها أدواتها من إعلاميين وسياسيين وظروف مواتية تماما. وكان الهدف المباشر الذي لا بد من إنجازه تحطيم الجيوش العربية.. ويستتبع ذلك ضياع الدولة المركزية مما ينتج عنه بروز التمزيق الطائفي والقومي والجهوي فتظهر عناوين جديدة على الخارطة السياسية. وهنا يتم إنجاز أهداف جديدة للمشروع الاستعماري من تمكين النفوذ واستغلال الثروات والمرور نحو خنق الطموح الروسي والخطر الصيني المحتمل. وهكذا تصبح العملية الاستعمارية التي استهدفت المنطقة قاعدة انطلاق لتمدد التسيد الأمريكي على العالم.. وهذا يعني بوضوح أن هناك تجديدا في الرؤية الاستراتيجية للغرب نحو أمتنا لجهة التعامل مع مكونات مجتمعاتنا وكيفية ضبطها بمعامل التناحر الذاتي كضامن لإبقائها في التخلف والضياع والتشتت..

تمر المنطقة الآن بحالة عنيفة لتفتيتها وتكريس حدود طائفية وقومية في البلد الواحد لتكون أرضا محروقة.. ومنها يتم الانطلاق إلى أهداف استراتيجية جديدة.. ويبدو أن البعض ينشغل بالحديث عن دور الكيان الصهيوني ووجوده كثيرا وكأنه هو المعني بالتطورات الحاصلة على المخطط الاستعماري. وبكلمة نريد أن يكون واضحا أن الكيان الصهيوني أداة استعمارية غربية يمكن أن يطرأ عليها التغيير والتحويل والتبديل حسب الحاجة الاستعمارية. لذا، فلن تكون هي الهدف والغاية. وهنا من الضروري تحرير عقولنا من مسلمات سياسية تحرمنا رؤية ديناميكية المشروع الاستعماري الغربي. فما كان صالحا لديه بالأمس من أدوات قد لا يعدو أكثر من عبء عليه في مرحلة لاحقة. وهذا يعني ضرورة متابعتنا لقراءة الوضع الدولي على أكثر من صعيد وفهم أدوات المشروع الغربي الملائمة لأهدافه في كل مرحلة. وهذا يحتاج إلى مراكز بحث ودراسة وتحليل واستشراف على درجة عالية من العلمية والدقة.

في مواجهة المشروع الاستعماري الكبير الذي ظن أنه حقق انتصارات بالغة تقف سورية الدولة حجر عثرة أو معرقلا كبيرا قد يجعل من المشروع الاستعماري الغربي في خبر كان فيما لو استطاعت سورية من خلال تحالفاتها وصمود قيادتها أن تطاول المعركة وتكبد العدو خسائر متتالية.. فسوريا الآن تصنع خارطة العالم المستقبلية وعلى ضوء نتائج الصراع على أرضها بين الإرادات الإقليمية والدولية ستتحدد مصائر شعوب ودول وكيانات.

أدركت روسيا وإيران أهمية صمود سورية وقدرتها على صد الهجمة.. فروسيا التي لم تستطع الحفاظ على أوكرانيا وهي في خاصرتها ترى أن خسارتها بسقوط سوريا أكثر فداحة.. فسقوط سوريا يعني بوضوح انهيار روسيا تماما.. فالروس يعرفون جيدا أن انهيار الاتحاد السوفيتي تم عندما حرم القادة الروس من إنجاز البيريسترويكا بعد أن أمرت الإدارة الأمريكية حلفاءها بضخ كميات إضافية من النفط والغاز. الأمر الذي أسقط سعر المحروقات إلى أثمان بخسة فقدت معها القيادة السوفيتية إمكانية إنجاز الإصلاحات الضرورية للنظام الاقتصادي السوفييتي. الأمر الذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي.. والآن يدرك الروس أن سقوط سوريا بيد تنظيمات تأتمر من قبل مخابرات غربية يعني بشكل واضح أن أنبوب الغاز القطري سيمر من سورية إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا فيسقط المخطط الروسي في التطور والتسلح فينهار الاتحاد الروسي.. ومن هنا كان دفاع الروس عن دمشق بمثابة دفاع عن موسكو..

وتدرك إيران أن سقوط دمشق هو إنهاء مشروعها وإلى الأبد.. ذلك لأن قادة إيران يدركون أن هناك عقبتين مرهقتين أمام رؤيتهم ومشروعهم تتمثل الأولى في الحزام القومي والثانية في الحزام الطائفي.. وبعد أن انكسر الطوق القومي ولم تعد هناك وجاهة سياسية لطرح القومية العربية بالمعنى البعثي ينطلق البعد الطائفي مسلحا بالمال والسلاح والمتطوعين له بشكل مجنون.. ومن هنا تغدو كل أجهزة الإعلام والثقافة الإيرانية عاجزة عن كسر الطوق وأن تتجاوز هذه العقبة لأن الضخ الإعلامي المعادي للثورة الإيرانية بلغ شأوا بعيدا، فإن هناك أكثر من أربعين محطة إعلامية، تلفزيون وإذاعة، متخصصة في تشويه الثورة الإيرانية.. وإن هناك ثقافة ومنظمات تتحرك في أوساط الجوار تبث الكراهية وتثير النزعات التفريقية بين أبناء الأمة حسب الاجتهادات والمذاهب.. وتدرك الثورة الإيرانية أن سياستها كلها ستصبح في مهب الريح لو أن دمشق أصبحت بيد المجموعات المسلحة المتوزعة التي تمتد بولاءاتها إلى الغرب وسياساته في المنطقة.. من هنا يصبح الدفاع عن الدولة السورية مطلبا حيويا إيرانيا وتصبح دمشق هي طهران التي ينبغي عدم التردد في تقديم كل ما من شأنه أن يعزز صمودها.

الواضح أن التحالف الروسي الإيراني مع دمشق كسر حدة الهجوم الغربي الاستعماري على سورية وإن كان لم يلغه بعد.. وستعلن الأشهر القليلة القادمة نتيجة هذا الصراع بعد أن أعلنت روسيا وأكدت إيران عدم السماح بسقوط الدولة السورية.. من هنا سيتحدد مصير العالم وتتشكل الخارطة السياسية في المنطقة.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!