كحّ واضرب النحّ!
كلمة غريبة سكنت بعض الألسن، كلما عاد رمضان والعيد، فتسمعها تتهم المستهلكين وتقول: “ملهوفين”، فالتجار والحكومة واتحاد التجار واتحادية السائقين وجمعيات حماية المستهلك واتحاد الخبازين ومنتجو الحليب وموزعوه وتجار الخضر والفواكه في أسواق الجملة والتجزئة، كلهم اصطفوا وراء هذه التهمة التي يردّ عليها المتهمون بكلمات ليست كالكلمات:
وزارة التجارة هي ”الملهوفة”، لأنها فشلت في قطع دابر اللوبيات التي أصبحت تحترف هواية إدخال الأيدي إلى جيوب الزوالية كلما عاد شهر الرحمة والتوبة والغفران!
وزارة الفلاحة هي ”الملهوفة”، لأنها لم تنجح في مهمة مشاركة وزارة التجارة في تسقيف أسعار الخضر والفواكه والدواجن، وفسحت المجال واسعا للتجار العديمي الذمة من أجل السطو الاستعراضي.
إتحاد التجار هو ”الملهوف”، لأنه لم يتمكن من فرض سيطرته على التجار وجعلهم يُلهبون الأسعار ويفرضون منطقهم على الزبائن ويحرقون قدرتهم الشرائية!
إتحاد الخبازين هو ”الملهوف”، لأنه لم يبسط سلطانه على الخبازين، ولم يُعاقب أولئك الذين شمعوا أبواب ونوافذ مخابزهم أيام العيد وجوّعوا المواطنين وفرضوا عليهم طوابير طويلة عريضة!
اتحادية الناقلين هي ”الملهوفة”، لأنها اكتفت بالأقوال بدل الأفعال، فلم تمنع أصحاب سيارات الأجرة والحافلات و”الكلونديستان” من مضاعفة التسعيرة أواخر شهر رمضان وأيام العيد!
منتجو الحليب وبعض موزعيه هم ”الملهوفون”، لأنهم لم يضمنوا الحليب للأطفال والمواطنين يوم العيد بعد ما مرمدوهم خلال شهر الصيام وسوّقوا لهم ”الرايب” على أساس انه حليب الناقة والعصفور!
جمعيات حماية المستهلك، هي ”الملهوفة”، لأنها حذرت، ثم تركت المستهلكين كمن يصوم عاما ثم يُفطر على ”جرانة”!
اللوبيات هي ”الملهوفة”، لأنها أشعلت النار في الأسعار وحوّلت ”الخطيف” إلى شطارة تجارية، وكفرت بالقانون والأخلاق والرحمة في شهر الرحمة!
التجار ”العديمو الذمة” -وليس كلهم بطبيعة الحال- هم ”الملهوفون”، لأنهم رفعوا أسعار الخضر والفواكه والملابس وأجبروا المواطنين على عقلية ”كحّ واضرب النحّ”!
هؤلاء وأولئك هم ”الملهوفون”، وليس المواطنون المغلوبون على أمرهم، ممّن وجدوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ، فإمّا ”طبّع وادفع”، وإمّا قاطع و”موت بالشرّ”!
لا ينبغي “مسح الموس” في كلّ مرّة ومناسبة في زوالية لا حول ولا قوّة لهم، وإنـّما كلّ المسؤولية تتحملها الجهات المعنية بالمراقبة والمحاسبة وقمع الغش والتدليس وفرض تطبيق القوانين الخاصة بالعرض والطلب.
..إن منطق “كحّ واضرب النحّ”، أقال البرلمان كهيئة تشريعية، وأدخل الحكومة في عطلة مفتوحة الآجال، ولذلك عاث التجار “ألـّي ما يخافوش ربي” فسادا، وحوّلوا المواطنين والموظفين إلى أضحية يتمّ نحرها إمّا في العيد أو عاشوراء.. فمن هو “الملهوف” يا عباد الله؟