كراء المدعوين إلى الأعراس.. “موضة اللي ماعندوش لحباب”
رغم أن ديننا الحنيف يسّر علينا تكاليف الزواج، فأجاز النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يكون مهر المرأة مجرد خاتم من حديد، أو حتى شيئا من القرآن. وقال لعبد الرحمان بن عوف: “أولم ولو بشاة”، ولم يقل بمائة ناقة أو بألف بعير، إلا أننا عسّرنا على أنفسنا، وجعلنا من الزواج مشروع حياة، يستنزف كل ما قد ندّخره من قرش أبيض، لذلك اليوم، الذي يصير على عكس ما يفترض أسودَ. وحتى حين لا نملك مالا للقيام بكل تلك الطقوس المهرجانية البهلوانية، يوم الزفاف، اخترعنا الكراء بديلا للشراء، فتطورت كرونولوجيا الكراء عندنا، من كراء الباش والتصديرة، إلى كراء الكراسي والطاولات والملاعق والشوك والصحون، وهلم جرا.. وصولا إلى آخر صيحة من صيحاته، وهي كراء المدعوين أو المعزومين.. نعم، فهناك أناس في مجتمعنا، قاموا في أيام أعراسهم بكراء من يحضر العرس، كبديل للأحباب والأصحاب، الذين أثبتوا غيابهم. وهي الموضة التي أخذت تنتشر على استحياء.
“لحباب يتكراو ولا يتشراو”
لطاما سمعت بالمثل أعلاه، واعتقدت أن معناه مجازي فقط، ويعني أن الواحد منا يجب أن يبذل مجهودا لكسب الأحباب بالإحسان إليهم، وتقديم المنافع لهم، لينتفع بدوره منهم، ويستمتع بعلاقة المحبة معهم.. ولكنني، لم أتصور يوما أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه لهذا المثل معنى حرفي، ليغدو بالإمكان كراء أو شراء الأحباب، بعدما صار بعض الناس في مجتمعنا يكترون عددا من الأشخاص، لحضور أعراسهم، ليملؤوا الفراغ الذي يحدثه أحبابهم وأصحابهم بغيابهم. تماما، مثلما فعلت قريبة لي، تدعى نصيرة، كانت ولا تزال على خصومات عديدة مع أغلب أقارب زوجها. أما أهلها، فكان عددهم أقل مما يكفي لملء حفل زفاف ابنتها، الذي قبل حلوله بأيام سمعتها تقول لإحدى أخواتها المتزوجات: “قولي لخالتي فلانة تحضّر نفسها لحضور العرس، وتحضر معها من استطاعت من جارات وقريبات، ولا داعي لأن يجلبن لي هدايا، بل بالعكس، هن من سيتحصلن عليها في نهاية العرس”.. وكم فاجأني ما دار بينهما من حديث، لأنني حينها فقط أدركت أن ما حدث أمامي للتو هو عملية كراء مجموعة من النساء، لحضور حفلة عرس، لقاء مقابل مادي.
عشاء فاخر و”بونوس” مغرٍ لمن يحضر وليمة عرس
يقال إن “اللي ماعندوش لحباب.. يربي لقطوط والكلاب..”، أي يبقى وحيدا. ولكن الظاهر، أن هذا كان في السابق، أما حاليا، فـ “اللي ما عندوش لحباب.. يكريهم”. وذلك، تماما ما فعلته خالتي عايدة- رحمها الله- إذ كانت في حياتها إنسانة صعبة المراس، وحادة الطبع.. (ونكتفي بهذا القدر من الوصف، حتى لا نخوض في ذكر مساوئ موتانا).. ففي زفاف ابنها البكر، قامت بكراء قاعة طويلة عريضة، وأقامت وليمة فخمة، وراحت تنتظر مع ابنها قدوم المدعوين، الذين خذلوها وانتقموا منها بتسجيل غيابهم.. فكان عدد الحاضرين منهم يكاد يعد على أصابع اليد. فكانت الضربة موجعة والموقف محرجا للغاية، خاصة بالنسبة إلى ابنها العريس، الذي تشاجر معها واتهمها بأنها المتسببة في تركه وحيدا يوم عرسه، لكونها إنسانة صعبة المعشر، وكثيرة العداوات. وهذا، ما منع المدعوين من الحضور. ولأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ففي عرس ثاني أبنائها، كنت أظن أن نفس السيناريو سيتكرر، ولكنني تفاجأت بأن قاعة العرس الفخمة كانت مكتظة عن آخرها، بأشخاص لا أعرفهم البتة، لأنهم ليسوا بأقاربها ولا بجيرانها.. وحينما سألت إحدى بناتها، أسرّت إليّ قائلة: “أغلبية المدعوين حضروا العرس بموجب اتفاقية كراء، وهم زملاؤنا في العمل وأقاربهم، الذين لا نعرف أكثرهم.. ولقد أغريناهم بالحضور لملء القاعة، وإظهارنا بمظهر العائلة الكريمة، التي لها الكثير من الأقارب والأحباب. وهذا مقابل أن يتناولوا وجبة عشاء فاخرة، ويتحصلوا على مبلغ محترم، يتحصل عليه كل واحد منهم، كـ “بونوس” إضافي، إذا امتدت مداومته إلى نهاية العرس”.
المطلوب: بهاليل ومهابيل لتنشيط عرس
وفي إطار موضوعنا هذا، أتذكر جيدا منشورا قرأته على صفحات الفضاء الأزرق، واعتقدته في البداية مجرد مزحة ثقيلة. ولكن، حينما استشعرت مع الوقت أننا نسير نحو ترسيم عرف كراء المدعوين إلى الأعراس في مجتمعنا، صرت أظن أن صاحب المنشور ربما كان جادا في طلبه، حين قال إنه من عائلة مثقفة، جل أفرادها متعلمون، وليس لهم في جو “الزهو والهول والشطيح والرديح” الحاصل في الأعراس. لهذا، طلب حضور مجموعة من الأشخاص البهاليل المهابيل، الذين يستطيعون خلق “لومبيونس”، خلال عرس سيقيمونه، ليرقصوا ويغنوا، وينشطوا الحفل إلى نهايته.. وفي الختام، سيتحصل كل واحد منهم على مبلغ مالي محدد، إضافة إلى الاستمتاع بوليمة العرس.
“زوافرة ومزطولين لتعويض غياب الجمهور”
والملاحظ، أن كراء المدعوين إلى الأعراس تزايد أكثر في زمن الكورونا، حينما أصبح التباعد الاجتماعي إجراء وقائيا ضروريا لتفادي العدوى، حيث أصبح أغلبية الناس يحجمون عن تلبية دعوات الأعراس، خوفا من الإصابة بالكوفيد.. فكانت الكثير من الأعراس تقام على طريقة “الويكلو”. ومن أصحابها من قام بعرض فيديوهات على اليوتوب، يوضح فيها فخامة الوليمة والتحضيرات الملكية المقامة، التي نغصها غياب الجمهور. حتى إن أحدهم كان يصرخ في أحد الفيديوهات قائلا: “يخصنا الغاشي يا جماعة، شكون راح ياكل هاذ الخير”.. وهي نفس الحيرة التي وقع فيها السيد عمران، في حفل زفاف ابنته، الذي أقيم في زمن الكورونا، ولكنه سرعان ما وجد له مخرجا، حيث أسرع إلى أقرب “شونطي”، ودعا من استطاع من زوافرة إلى تناول وليمة العرس.
ونفس الفكرة تقريبا، اهتدى إليها السيد محمد، في عرس ابنه الذي جرى في زمن الوباء كذلك، حيث ذهب إلى أغلب مقاهي منطقته، واكترى كل الجالسين بها، من واعين أو غائبين عن الوعي “مزطولين”، ليتناولوا وليمة العرس، ويدعوا للعروسين بالرفاه والبنين.
هل نتجه نحو التأسيس لظاهرة كراء المدعوين إلى الأعراس؟
لم يترك ديننا الحنيف شأنا من شؤون حياتنا إلا نظمه، بما في ذلك مسألة حضور الوليمة، حيث قال تعالى: “ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا”. وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: “فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض”.. وقال أيضا: “إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب.”
ولو التزمنا بتعاليم ديننا الحنيف، لما وصلنا إلى مثل هذه السلوكات، التي حتى وإن حدثت بطريقة قد لا توحي حتى لفاعليها بأنهم قد قاموا بكراء مجموعة من المدعوين إلى أعراسهم، إلا أنه الواقع الذي حدث فعلا.. وأكثر ما نخشاه، أننا نتجه إلى ترسيم عرف جديد في مجتمعنا، والتأسيس لظاهرة كراء المدعوين إلى أفراحنا، التي ستتحول إلى مجرد تمثيليات هابطة، أغلب ما فيها ومن فيه “مكري”.
وطبعا، كل هذا، وصلنا إليه جراء اختلال ميزان قيم احترام وأداء حقوق الجيرة والقرابة وصلة الرحم، وممارسة البعض لنوع من الشونطاج اللاأخلاقي على صاحب العرس، الذي ينتهي بعدم الحضور.