كريستيانو رونالدو والنموذج الخاطئ
كثير من الأمور لا يختارها الإنسان لنفسه في حياته.ومن بينها أحيانا.. النادي الذي يحبه ويشجعه وينتمي إليه سواء في بلده أو في بلد آخر.
وشاءت الأقدار أن أحب في طفولتي نادي ريال مدريد الإسباني.. ولأنني ممن تجاوزوا الستين عاما فقد منحتني الأقدار الطيبة الفرصة لمشاهدة الفريق الذهبي لريال مدريد في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات.. الفريق الذي سيطر على كأس أبطال أوروبا بتشكيلة أسطورية من العباقرة دي ستيفانو وبوشكاش وخنتو وديل سول وسانتا ماريا.. وازداد تعلقي بهم بعد زيارتين قام بهما ريال مدريد إلى القاهرة في عام 1961 وفاز خلالهما 7-1 و4-1.. ورغم اهتزاز الفريق الملكي لمرات عدة خلال خمسة وخمسين عاما من التعلق به، إلا أنني ظللت وفيا له ومحبا لنجومه.. وأحمل لهدافه الأول البرتغالي كريستيانو رونالدو مكانة دافئة في قلبي وأتمنى له التوفيق ليحتفظ بالكرة الذهبية لعام 2014.. وأرى أنه يستحقها أكثر من الأرجنتيني ليونيل ميسي والألماني مانويل نوير سواء بإنجازاته الشخصية أو بألقابه المحلية والأوروبية والعالمية مع ريال مدريد.
هذه البداية مهمة للغاية.. وموجهة تحديدا لعشاق وأنصار نادي ريال مدريد الذين غضبوا من عنوان المقال أو اتهموني قبل قراءته بالعداء الشخصي لناديهم المفضل أو نجمهم المحبوب.
ما فعله كريستيانو رونالدو بتجاهل مصافحة الفرنسي ميشال بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في المنصة الشرفية لملعب مراكش خلال تتويج اللاعبين بعد فوز الريال بكأس أندية العالم كان حدثا مؤسفا للغاية.. ولا يجوز أن نراه مطلقا من لاعب نراه الأفضل في العالم خلال عامي 2013 و2014.. وهو يمثل نموذجا بالغ الأهمية عن الملايين من الأطفال والشباب حول العالم على اختلاف أوطانهم وجنسياتهم.. وهؤلاء الملايين يقلدونه في كل ما يقول ويفعل بداية من طريقة الحلاقة ولون الحذاء ونهاية بتصرفاته مع الآخرين.. وهو بذلك يفتح بابا واسعا لكل شخص من عشاقه لتجاهل مصافحة من يختلف معه في الرأي أو من لا يمنحه صوته أو من يدعمه علنا.
كل ما قاله بلاتيني (بصفته خبيرا في كرة القدم وهو من أفضل من لعب الكرة في تاريخ فرنسا وأوروبا وتوج بالكرة الذهبية لثلاث مرات متتالية في منتصف الثمانينات) أنه يرى جدارة لاعبي ألمانيا بالتتويج بالكرة الذهبية لأحسن لاعب لعام 2014 بعد فوزهم الكبير بكأس العالم في البرازيل.. ولم يتعرض بلاتيني بالإساءة لأي لاعب آخر سواء كان رونالدو أو ميسي أو غيرهما.. وهو أمر ذهب إليه الآلاف من خبراء كرة القدم حول العالم.
ما قاله بلاتيني يمثل وجهة نظر شخصية فقط.. ولم تشمل أي تجاوز أو إهانة لأي شخص آخر.. وسبقه إليها الآلاف ودعمه فيها ملايين سواء من ألمانيا أو خارجها.. ولكنها لا تعتبر قانونا يجب الالتزام به بدليل أن الكرة الذهبية لعام 2010 لم تذهب لأي لاعب إسباني من أبطال العالم وأحرزها ميسي على حساب زميليه الإسبانيين تشافي وإنييستا.
رونالدو كان واعيا جدا لما فعله بتجاهل بلاتيني.. وهو فكر كثيرا في الأمر منتهزا انشغال بلاتيني بتهنئة انشيلوتي المدير الفني لريال مدريد وزميله القديم في الملاعب الإيطالية.. وقرر تجاوزه ومعه شخصان آخران في منصة الشرف ليتوجه للشخص الرابع في الترتيب.
لو جاز لكل نجم شهير أن يتجاهل من يختلف معه في الرأي لفسدت الرياضة والصحافة ولانتحرت الروح الرياضية والسماحة في ملاعب كرة القدم.. وكريستيانو رونالدو نفسه له عشرات الآراء الخاصة التي تنتقد لاعبي ومسؤولين ومدربين وحكاما.. لم يفكر أحدهم يوما في تجاهله أو الإساءة إليه.
اللوائح الدولية لا تنص على توقيع أي عقاب على اللاعب الذي يفعل ذلك، خاصة أن كثيرا من تلك الاحتفالات تشهد أنواعا من الفوضى.. ويستحيل معها وضع قوانين تلزم اللاعب بمصافحة كل ضيوف الصف الأول في منصة الشرف.. ولكن الأمر يجب ألا يمر مرور الكرام.
والبداية يجب أن تكون من اللاعب نفسه ومن إدارة نادي ريال مدريد بالمبادرة السريعة بارسال اعتذار علني ومكتوب الى ميشال بلاتيني عن الواقعة ووعود بعدم تكرارها مستقبلا سواء معه أو مع غيره من المسؤولين.
أما إذا مرت الواقعة مرور الكرام فلا تندهشوا إذا أصبح تجاهل المصافحة قاعدة في المستقبل القريب بين الصغار والشباب الذين اتخذوا كريستيانو رونالدو قدوة لهم.