-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
صحفي "الشروق" يتقمص دور خبّاز في عزّ الصيف

كل توابل وعقاقير العالم في “بيتزا” فصل الصيف

الشروق أونلاين
  • 2485
  • 0
كل توابل وعقاقير العالم في “بيتزا” فصل الصيف
مكتب قالمة

تتغير طباع الجزائريين مع ارتفاع درجة الحرارة وتمدد زمن اليوم الواحد والليل أيضا، وتفتح شهيتهم للأكل على الآخر، خاصة في موسم الأعراس والتوجه إلى شواطئ البحر الذي يزيد من الشهية كما هو معروف، إلى درجة أنهم لا يفرقون بين ما يحتاجون لتناوله، وتدخل أجندة مأكولاتهم أطباق لم تكن أصلا ضمن قائمة مأكولاتهم طيلة باقي أيام السنة.

في السياق ذاته، يعمد بعض أصحاب المخابز إلى إدخال بعض العقاقير والمحسنات على الخبز والبيتزا، التي تبعث برائحتها الشهية إلى خارج محلاتهم، وتجلب الزبائن من على بعد أمتار عديدة، وهو ما لا يعكس حجم المعاناة التي يعيشها الخبازون في مواجهة درجات الحرارة المنبعثة من فوهة الأفران الملتهبة.

لشروق اليومي وحتى تقف على حقيقة الوحم الذي يصيب الجزائريين في فصل الصيف، ومعاناة عمال المخابز، فضّلت تقمص دور الخبّاز لتكتشف العديد من المواقف المؤسفة التي لا يمكن إدراجها إلاّ في خانة المواقف الطريفة التي تتحوّل إلى نكت يتم تداولها على نطاق واسع مع مرور الأيام.

 

خبازون في مواجهة وحم الرجال رغم قساوة الحرارة

ما اكتشفناه ميدانيا عند تقمصنا دور الخبّاز في إحدى المخابز المشهورة بوسط مدينة قالمة، التي يقصدها الزبائن من مختلف بلديات الولاية، للظفر ببعض أنواع الخبز الذي يحضّر بطريقة تقليدية وحتى البيتزا التي يعتمد صاحبها في تحضيرها على التوابل والعقاقير الطبيعية التي يتم جلبها من الجبال والبراري ومن تونس، خصيصا لإثارة شهية المستهلكين، لما تبعثه تلك العقاقير من روائح زكية، ولما فيها من منافع صحية، تثير الدهشة والفضول من تصرفات الزبائن وتنسي الخبازين متاعب مهنتهم ومعاناتهم مع درجات الحرارة المرتفعة.

الساعة كانت تشير إلى الثانية بعد الظهر، ودرجة الحرارة خارج المخبزة المتواجدة بنهج ميهوب الطيب بمدينة قالمة، لم تقل عن 48 درجة مئوية في ذلك اليوم الذي قررنا فيه ارتداء لباس الخبّاز، وبعد ترتيب الأمور مع صاحب المخبزة، لم نتردد في الاقتراب من طاولات تحضير مختلف أصناف الخبز التي ستقدم للزبائن، للاطلاع على تلك الوصفات السحرية التي يقوم طاقم المخبزة بتحضيرها بكل عناية وبمقادير محددة، حتى لا يفقد أي صنف من الخبز لونه أو مذاقه المثير للشهية.

وما هي إلاّ دقائق حتى بدأ الزبائن يتوافدون على المحل، فتركت طاولة تحضير الخبز واتجهت نحو الدرج المخصص لتلقي الطلبات، وقد تفاجأت بشاب في العقد الرابع من عمرهم يفتحون قفة بلاستيكية كان قد وضع داخلها رأس خروف وطلب مني طهيه له، ولأني لم أكن أعلم أن المخبزة تقوم أيضا بطهي رؤوس الأغنام على طريقة البوزلوف وتحمير الدجاج المحشي بمختلف المأكولات، نبهني صاحب المحل إلى قبول الطلبية، وحينها بدأ ذلك الشاب يملي علي شروطه في طريقة تحضير رأس الخروف والتوابل التي يجب أن أضعها عليه، ولأني لم أكن افقه شيئا مما يقول، اكتفيت بتحريك رأسي فقط في إشارة لقول نعم في كل مرة، ثم غادر المحل ضاربا لي موعد بالعودة، لاسترجاع البوزلوف، وكان واضحا أن وليمة تنتظر الشاب.

ونحن نتبادل أطراف الحديث بشأن طريقة تحضير البوزلوف التي يتكفل بها صاحب المحل شخصيا “الشاف يزيد” لما يمتلكه من خبرة في تمحص أذواق زبائنه، أطل علينا شخص آخر في العقد الخامس، لتقديم طلبية أخرى لاقتناء دجاجة محمرة، ومحشية بمختلف التوابل. فطلب مني صاحب المحل تسجيل طلبيته، التي ذكرت فيها توابل وعقاقير تسيل اللعاب، من رند وحبق وأرز، وغيرها قبل أن يختم بأنه يجب أن تحمّر دجاجته بالزبدة الخالصة، التي استقدم كمية منها لصاحب المحل.

فدفعني فضولي لأن اسأل عن الاختلاف الموجود بين الزبدة العادية وهذا النوع من الزبدة، فقال لي صاحب الدجاجة إنها زبدة خالصة خالية من كل المكونات الكميائية، وأن سعرها في السوق لا يقل عن 1000 د.ج للكلغ، فابتسمت في وجهه واتجهت مباشرة إلى الداخل لإكمال تعلمي لطريقة تحضير الخبز.

وفي رأسي مئات علامات الاستفهام والتعجب، حول هذا الشخص الذي أراد أن يظهر لي من طريقة كلامه، أنه مواطن فوق العادة ولا يتناول الزبدة التي يتناولها باقي المواطنين، ومع مرور الوقت بدأ عدد الطلبيات المختلفة يزداد من لحظة إلى أخرى ولكل زبون شروطه في كيفية تحضير وجبته، والغريب أن صاحب المحل لم يظهر أي نوع من القلق أو التحفظ بل إنه كان يوافق على كل الطلبيات ويستجيب لأصحابها من دون ملل.

 

حرارة خانقة والماء البارد ممنوع

ومن خلال تجربتنا القصيرة اكتشفنا أن مهنة الخباز تعتبر واحدة من أصعب المهن على الإطلاق، لأن العامل فيها في مواجهة النار مباشرة على مدار أيام السنة، وتزداد صعوبة خلال فصل الصيف في مواجهة نار الفرن ونار الجو، و لا يمكنه استخدام أي شيء من وسائل تلطيف الجو أو تناول الماء البارد وحتى المثلجات، لأن ذلك يصيبه بحالة إعياء شديدة وقد يدخله في غيبوبة بحسب ما أكده لنا العاملون في المخبزة، إلاّ أن امتناع الخباز عن استخدام وسائل التبريد أو تناول بعض المثلجات، لا يقيه خطر الإصابات ببعض الجروح والتقرحات وحتى الإصابة بالتهابات مزمنة في فصل الصيف، بسبب وقوفه ساعات طويلة في مواجهة ألسنة النار المشتعلة في الأفران، والتي لا يمكن لأي إنسان أن يتحملها، وبخلاصة بسيطة يذوب الخباز صيفا بسبب حرارة الفرن وحرارة الجو لكن صبره الشديد وعشقه لمهنته يدفعانه إلى تقديم أفضل أنواع الخبز للزبائن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!