كلام المريض مريض
في شهر جويلية من سنة 1953، وبمناسبة الذكرى الأولى لثورة 23 يوليو؛ قام وفد من الكشافة الإسلامية الجزائرية بزيارة لمصر، استمرت خمسة عشر يوما، تلبية لدعوة من الكشافة المصرية.. وكان الوفد الكشفي تحت قيادة الأساتذة الطاهرة التيجني، ومحمود ابن محمود، ومحمد الغسيري…
اغتنم القائمون على هذه الرحلة الفرصة فأجروا اتصالات مع الشخصيات، والجمعيات، والهيآت المصرية، ومع ما يوجد في مصر من شخصيات وهيآت عربية، كالجامعة العربية، وأطلعوا الجميع على الجرائم الفرنسية المرتكبة في الجزائر منذ 1830، وكان ممن استقبلوا هذا الوفد رئيس مصر أيّامئذ اللواء محمّد نجيب، قبل أن يلقيه جمال عبد الناصر وجماعته في غيابات السجن.
كان الإمام الإبراهيمي أيامئذ موجودا في بيروت، يعرف بالقضية الجزائرية، ويفضح سياسة فرنسا وأعمالها الوحشية في الجزائر، ويبحث عن منح للطلبة الجزائريين؛ فأسرع بالعودة إلى القاهرة ليستقبل الوفد الكشفي، وليعلم منه ما لا يذاع في الإذاعات وما لا ينشر في الجرائد والمجلات، وليوصيه بما يقوله لمن يستقبلونه من المسئولين وقادة الجمعيات..
أقام مكتب “جمعية العلماء” في القاهرة حفل استقبال ترحيبا بهذا الوفد الكشفي، ودُعي له علماء الجزائر المقيمون بمصر، ومن هو أهل لأن تدعوه “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” من أولي النُّهى وأرباب الحجى، وذوي الأحلام وأصحاب الأقلام..
خطب الإمام الإبراهيمي في ذلك الحفل، وقد ألقى معاذيره إن لم يجد المستمعون ما تعوّدوا أن يسمعوه منه من المعاني الفحلة والعبارات الجزلة؛ لأنه “مكدود ومريض، وكلام المريض مريض” (البصائر ع. 241 في 25 سبتمبر 1953.ص 8)..
رغم مرض الإمام فقد أتى في كلامه بما خلب الألباب والأفهام، وسحر الأسماع والأحلام، وشهد الأستاذ الغسيري أنه “حلّق في سماء البيان حتى شفى وكفى”. (المصدر نفسه)..
سمعنا وقرأنا في الفترة الأخيرة “كلاما” يصدر عن هذا أو ذاك أو تلك؛ ممن يحسبون أنفسهم على شيء، ويوصفون – أو يصفون أنفسهم – بـ”الشخصيات الوطنية”.. ولكنك إذا تأملت فيه قليلا تحكم على أصحابه ـذكرانا وإناثا- بأنهم “مرضى”.. سواء كانت أمراضهم عضوية أم نفسيه. وهذه أخطر، حتى كأن أحد المطربين قد عناهم بأغنيته “رانا ڤع مراض مونطال” وهو ما نقترحه عليه لتغيير عنوان أغنيته إلى “راكم ڤع مراض مونطال”..
إن ما قرأناه لكم وما سمعناه منكم يدل على أن الأماكن السامية التي وضعتم فيها أنفسكم، أو وضعكم فيها غيركم هي أكبر منكم بكثير، وأن “النّيفو انتاعكم” أخلاقيا هابط، وقد انعكس مرضكم “الأخلاقي؛ على “كلامكم” و”سلوككم”؛ فأمرضتم الجزائر، التي لا شفاء لها إلا بذهابكم..