كلّ عام مضى يُدني من الأجل
ليس ينفعنا ونحن على مشارف نهاية العام الميلاديّ 2024م، أن نكتب عبارات على مواقع التواصل الاجتماعيّ نودّع بها عاما ونستقبل عاما آخر، كما لا ينفعنا أن نتبادل تهاني العام الجديد “Bonne Annee” ويدعو بعضنا لبعض بطول الأعمار، إنّما الذي ينفعنا أن نعتبر بعام مضى من أعمارنا واقتربنا بمضيه خطوات من قبورنا ومن موعد الوقوف بين يدي الله للحساب، ونؤمّل في عام قادم إصلاحا في أحوالنا وأعمالنا.
إنّـا لنفـرح بالأيام نقطعـها * وكلُّ يوم مضى يدني من الأجل فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا * فإنما الربح والخسران في العمل.
الأعوام تتعاقب وتتوالى، عام يتلوه عام، حتى يأذن الله بانقضاء عمر الدّنيا. لكنّ أعمارنا هي التي تطوى وتتناقص. وكلّ عام ينقضي من أعمارنا لا يعود أبدا. ينقضي وهو يحمل أعمالنا ما صلح منها وما فسد، يحمل صلواتنا وتلاواتنا وأذكارنا وصدقاتنا، ويحمل أيضا معاصينا وذنوبنا وتفريطنا.
ينفع الواحدَ منّا يجلس في الأيام الأخيرة من العام الميلاديّ ليحسب حسابه، ويتذكّر كم صلاة صلّى في بيت الله؟ كم صلاة خشع فيها؟ كم مرّة ختم القرآن؟ كم مرّة أدخل الفرحة على قلب أبيه وفؤاد أمّه؟ كم دينارا بذله صدقة لوجه الله؟ كم يوما صام يبتغي ما عند الله؟ كم مرّة تكلّف وأجهد نفسه في إعانة أخ من إخوانه المسلمين؟ كم مرّة عرضت له صورة محرّمة فغضّ بصره وهو يخاطب نفسه: “يا نفس إنّ الله يراني”؟ وكم مرّة كبح فيها جماح لسانه عن الخوض في أعراض إخوانه المسلمين؟
وفي المقابل: كم صلاة أخّرها حتّى خرج وقتها؟ كم مرّة أغضب أباه وأسال دموع أمّه؟ كم مرّة تحرّك لسانه بغيبة إخوانه المسلمين؟ كم مرّة أتبع النّظرة النّظرة واسترسل في النّظر إلى الصّور المحرّمة؟ كم مرّة استرسل بغيبة إخوانه؟
ماذا لو سأل الواحد منّا نفسه: ترى؛ هل ازددت في هذا العام قربا من الله، أم إنّي ابتعدت أكثر عن ربّي ومولاي؟ قلبي هل ازداد لينا، أم ازداد قسوة؟ عيني، هل أصبحت أكثر غضّا عن الحرام أم إنّها ازدادت نهما بالنظر إلى العورات؟ لساني، هل يزداد رطوبة بذكر الله، أم إنّه يزداد قسوة باللغو والغيبة؟
إنّه لا أنفع للعبد من أن يكون محاسبا لنفسه في كلّ وقت وكلّ حين، وإن فرّط فإنّه لا يغفل عن محاسبة نفسه في المناسبات وعند تجدّد الأعوام.. نُقل عن أَحد الصّالحين أَنّه “جلس يوما يحاسب نفسه، فحسب سنوات عمره فإذا هو ابن ستّين سنَة، فحسب أَيّامها فإِذا هي واحد وعشْرون ألفا وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتاه، لو كنت أذنب كلّ يوم ذنبا، فسأَلقى الله بِواحد وعشرِين ألف ذنب؟! فكيف وفي كل يوم عشرات الذّنوب؟!”.
ويروى عن الإمام الفضيل بن عياض –رحمه الله- أنّه سأل رجلا: “كم عمرك؟”، فقال الرجل: ستون سنة. قال الفضيل: “إذن أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله؛ تُوشِك أن تَصِل”. فقال الرجل: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. فقال الفضيل: “يا أخي، هل عرفتَ معناه؟”. قال الرجل: نعم، عرفت أني لله عبد، وأني إليه راجع، فقال الفضيل: “يا أخي، مَن عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع، عرف أنه موقوف بين يدي الله، ومَن عرف أنه موقوف عرف أنه مسؤول، ومَن عرف أنه مسؤول فليُعدَّ للسؤال جوابًا”، فبكى الرجل، وقال: يا فضيل، وما الحيلة؟ قال الفضيل: “يسيرة”. قال الرجل: وما هي يرحمك الله؟ قال الفضيل: “أن تتقيَ الله فيما بقي، يَغفِر الله لك ما قد مضى وما قد بقي”.
إنّ أكثر شيء يغرّ العبد في هذه الدّنيا هو العمر؛ يمضي ربعه الأوّل في الطفولة بلهوها ولعبها، وربعه الثاني في الشّباب بشهواته وغفلته، وربعه الثالث في شواغل الدّنيا من راتب ومسكن وزواج وأولاد، وربعه الرابع في الأمراض والأسقام والأطباء والأدوية ومشاكل الأبناء والأصهار.. لا يشعر العبد حتى يجد نفسه قد جاوز الستين، ويا ليته يجد في صدره قلبا لينا ونفسا طيّعة. المشكلة أنّه يجد في صدره قلبا قاسيا وبين جنبيه نفسا غافلة عاشقة للدنيا.. وهو على مشارف القبر وعلى بعد خطوات من الآخرة لا يزال ينافس في الدّنيا ويحارب لأجلها.
حصادنا في الشيخوخة بعد الستين هو ما نزرعه في الطفولة والشباب والكهولة؛ فكما نعمل لأجل أن يكون لدينا تقاعد نجده في سنّ الشيخوخة، ينبغي أن نعمل ويجتهد كل واحد منّا ليجد في آخر عمره قلبا خاشعا ونفسا خاضعة، ليختم حياته بخير، ويلقى الله على خير.
أعمارنا هي رأس مالنا، وليس هناك مرحلة يصحّ أن نضيّعها في الغفلة واللهث خلف الشّهوات. الأيام التي نعيشها كلّ يوم هو فرصة نشحن بها رصيدنا من الأعمال الصالحة ونغذّي بها قلوبنا وأرواحنا. كلّ يوم يمضي من عمر الواحد منّا في غير شغل ينفعه في الدّنيا والآخرة، هو خسارة عظيمة: يقول عبد الله بن مسعود -رضي الـله عنه-: “ما ندمتُ على شيء ندَمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزِدد فيه عملي”.
في واقعنا تجد بعضنا يهنّئون بعضا بما يسمّونه عيد الميلاد، ويقول المهنّئ للمهنّأ: “العاقبة لـ 100 سنة إن شاء الله”، وننسى أنّ العبرة ليست بطول الأعمار إنّما ببركتها وبما تحمله، ومن كان يحمل قلبا قاسيا ونفسا غافلة فلن ينفعه ولو عاش 1000 سنة: ((يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)).
في الحديث أَنّ رجلا قال: يا رسول اللَّه، أَيّ النَّاسِ خير، قَال: “من طال عمره، وحسن عمله”، قال: فأَيّ النَّاسِ شرّ؟ قال: “من طال عمره وساء عمله”.
العام الرّاحل ينبغي أن يذكّرنا بأعمارنا التي مضت، وبما تحمله من ذنوب ومعاص وغفلة وتقصير نحتاج إلى التوبة منها قبل أن نلقى الله بها.. والعام الجديد ينبغي أن يذكّرنا بما بقي من أعمارنا؛ قد يكون ما بقي منها قصيرا وقليلا، سنوات معدودة، وقد يكون أشهرا أو أياما معدودة، ولكنّنا لو تبنا إلى الله وعقدنا العزم على أن نجعل ما بقي من أعمارنا خيرا مما مضى منها، ونزداد فيه قربا من الله، فسيكون بإذن الله بقية مباركة، نسعد بها في آخر أعمارنا، ويوم نلقى الله.