-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كيف أنشئ الكيان الصهيوني؟!

كيف أنشئ الكيان الصهيوني؟!

عادة ما يجري تصوير “الصراع” الدائم في الشرق الأوسط بين الكيان الصهيوني الاصطناعي وفلسطين على أنه تصادمٌ معقد، لا يمكن بالفعل التوفيق فيه بين الأعداء التاريخيين. من منطلق هذه المقالة، واستنادًا إلى الأدلة الدامغة، فإن هذا التاريخ المأساوي بأكمله، إلى غاية “طوفان الأقصى” في 7 من أكتوبر 2023، هو في الواقع قصة واحدة للحركة السياسية المعروفة باسم الصهيونية وتصميمها على مصادرة كل الأراضي الفلسطينية.

أكثر من ذلك الاستيلاء على كل الأراضي العربية المحصورة بين النهرين من نهر الفرات شرقاً إلى نهر النيل غرباً. وهذا نراه منذ 1948 مجسَّدا في راية الكيان الصهيوني، إذ نجد نجمة داوود السداسية، محصورة بين خطين باللون الأزرق يمثلان نهر الفرات والنيل. كما نجد هذه الخريطة مرسومة على أكتاف جنود جيش الكيان، بالإضافة إلى وجودها على عملته المالية، وفي أماكن أخرى مختلفة ومتعددة، بل إن رئيس الوزراء الحالي السفاح نتنياهو، يريد “تغيير خريطة الشرق الأوسط”، وتحدّث علنا في الأمم المتحدة عن هذا المشروع.

قلت كل هذا، من أجل إنشاء أمة مستوطنة «يهودية» تستند إلى «العرق اليهودي» وأن عقيدته اليهودية المزعومة هي في حدِّ ذاتها سلاحاً في هذه الحملة، إذ يعمل على التعتيم وهو العامل الحقيقي للكارثة، ويشرح زوراً الفشل في إنهائها، ويستغلّ اليهودية والاضطهاد التاريخي لليهود في خدمتها، ويقدِّم رواية أسطورية كحقيقة للجمهور الغربي الذي تمكّنه حكوماته هذه، وهو جوهر ما ردّده الفلسطينيون منذ بداية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وما سجله الشهود اليهود.

كما كان ينبغي أن يكون بديهيًّا منذ فترة طويلة من سلوك الكيان الصهيوني، وفي العقدين التاليين قام «المؤرِّخون الجدد» للكيان بمسح الأرشيف الصهيوني الذي أكد تمسك معظمهم باعتقاد أساسي بالاستحقاق العرقي الذي تفوَّق على كل الأجناس الأخرى مع استمرار الظلم.

في غضون ذلك، بدأت حكومات الكيان الصهيوني المتتالية في منع الوثائق الصهيونية التي تتعارض مع روايتها، ومنعت الكشف عن وثائق أخرى. كان الاضطهاد هو الدافع المزعوم للمهندسين المعماريين الأوائل للصهيونية السياسية، والدولة اليهودية.

كما استبدلت الحرب العالمية الأولى الحكم الاستعماري العثماني في فلسطين بالحكم الاستعماري البريطاني، تاركة الفلسطينيين يشعرون بالخيانة: لقد وعدتهم بريطانيا بالاستقلال مقابل القتال ضد العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.

كما زاد عدد السكان اليهود في فلسطين، الذي قُدِّر بنحو 1,7% في أوائل القرن التاسع عشر، إذ تصارعت العديد من الدول من أجل المصالح السياسية والدينية والسياحية والاقتصادية والإستراتيجية في المنطقة. جاءوا كحجاج أو مسافرين أو كتّاب أو مهاجرين متفائلين، إذ يمكن لأي شخص الذهاب إلى أرض أخرى.

ومع ذلك، ابتداءً من أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر، شهدت فلسطين وافدًا جديدًا ومتميزًا تمامًا: اليهود الأوروبيين الذين كانوا علمانيين (شيوعيين) إلى حد كبير والذين يناصرون الحركة العرقية القومية الجديدة للصهيونية. لم يأت الصهاينة مهاجرين، بل مغتصبين، واحتجزوا يهودَ فلسطين الأصليين بازدراء كبير، وهو شعور جرى الرد عليه بالمثل.

بحلول مطلع القرن العشرين، ارتفع عدد السكان اليهود داخل فلسطين (الصهاينة وغير الصهاينة) إلى نحو 6٪.

وفي عام 1898 أرسلت الكشافة الصهيونية في فلسطين، برقية إلى فيينا تؤكد فيها خبرا مخيبا للآمال على أن فلسطين لم تكن أرضًا فارغة، بل كان فيها «شعبٌ متجذر هو الشعب الفلسطيني». كما  أقر المؤيدون بأن هدفهم السياسي لا يمكن تحقيقه إلا بالعنف ضد السكان الفلسطينيين المدنيين وهو ما يعدّ بالفعل إرهابا.

المهم أن يجري ذلك بقتل سكان الأصليين، أو طردهم، أو مصادرة جميع وسائل رزقهم، ومن ثم تجويعهم، من خلال الاستيلاء على مصادر المياه الجوفية الخاصة بهم، أو من خلال قوانين مصمَّمة عرقيا لهذا الغرض، أو ببساطة بجعل الحياة بائسة للغاية بالنسبة لهم إلى درجة أنهم يغادرون «بمحض إرادتهم» وهذه الخطة مازالت إلى يومنا هذا تمارَس في عهد الإرهابي نتنياهو.

تقول الرواية الشائعة إن العنف الصهيوني لم يكن إرهابًا، لأنه استهدف المؤسسة الحاكمة البريطانية، وليس المدنيين في فلسطين عام 1948. سيتطلب هذا الموقف تعريفًا ضيقًا للغاية لـ«المواطنين»، وبحلول مطلع عام 1948 سيصدر إعلان: “أن جميع السكان غير اليهود في فلسطين ليسوا مواطنين”.

وقد كان اليهود أيضاً هدفًا محددًا: قبل عام 1948 وبعده، إذ أصبح مئات الآلاف من البشر في أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط لعبة في يد العنف الصهيوني لأنهم يهود.

ولم تعتمد الصهيونية فقط على طرد الفلسطينيين غير اليهود من فلسطين، ولكن أيضًا على ترحيل   اليهود إلى فلسطين بالقوة. تضمّنت التكتيكات المعادية لليهود التلاعب بالنازحين في معسكرات، وإحباط فرص الملاذ الآمن في بلدان أخرى، واختطاف الأيتام اليهود، وتدمير المجتمعات اليهودية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط من خلال الدعاية والأخبار الزائفة بأن الوطن العربي غير آمن لليهود. بل قامت بصفقات مع بعض الحكام من أجل الضغط على اليهود للهجرة إلى فلسطين، كما وقع مع الملك الحسن الثاني في مملكة المغرب. كل ذلك لشحن يهود تلك البلدان إلى فلسطين لخدمة الدولة الاستيطانية الصهيونية الجديدة.

هل هذا إرهاب؟ في الخطاب السياسي، تُستعمل الكلمة كما لو أن الحروف الخمسة نفسها لديها القدرة على الإدانة أو التبرير. لكن هذا تحوّل: مهما كان،  فإن الصهيونية السياسية تتطلب حتماً عنفًا هائلاً ضد المقاومين الفلسطينيين من جهة واليهود والبريطانيين من جهة أخرى. والحقيقة أن هدف الصهاينة يتطلب أيضًا استهداف المؤسسة الاستعمارية البريطانية التي رعتها، وهذا يبيِّن مدى خبث الصهاينة وعدم الثقة بهم.

لم تعتمد الصهيونية فقط على طرد الفلسطينيين غير اليهود من فلسطين، ولكن أيضًا على ترحيل   اليهود إلى فلسطين بالقوة. تضمّنت التكتيكات المعادية لليهود التلاعب بالنازحين في معسكرات، وإحباط فرص الملاذ الآمن في بلدان أخرى، واختطاف الأيتام اليهود، وتدمير المجتمعات اليهودية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط من خلال الدعاية والأخبار الزائفة بأن الوطن العربي غير آمن لليهود. بل قامت بصفقات مع بعض الحكام من أجل الضغط على اليهود للهجرة إلى فلسطين، كما وقع مع الملك الحسن الثاني في مملكة المغرب.

لم تتمكّن الأمم المتحدة من الاتفاق على تعريف الإرهاب، ويرجع ذلك أساسًا إلى الجدل حول ما إذا كان ينبغي استبعادُ الكفاح المسلح من أجل التحرير وتقرير المصير. لن يكون لهذا الاستثناء أي تأثير على موضوعنا، لأن العنف الصهيوني سعى على وجه التحديد إلى منع تقرير المصير وفرض حكم أقلية قائم على العرق، بما يتعارض مع أوضح مبدأ للديمقراطية. كما ردَّد القادة الإرهابيون الصهاينة، من وايزمان إلى مناحيم بيغن وإسحاق شامير، بشكل موحد، بأن “الديمقراطية لا تصلح للفلسطينيين”.  وفي تبريرهم، زعموا بشكل مختلف أن «العرب» هم أشخاص دونيون ومن ثم لا يستحقون التصويت. إن جميع اليهود، بالدم، هم «مواطنو إسرائيل»، وبالتالي فإن اليهود في جميع أنحاء العالم هم ناخبو دولة الكيان الصهيوني، حتى التصويت اليهودي ضد الصهيونية سيكون باطلاً، لأن الصهاينة يعرفون ما هو الأفضل لليهود، والادِّعاء بأن اليهود كانوا أغلبية في عالم توراتي شاسع قبل ألفي أو ثلاثة آلاف عام، وأنهم لم يتخلّوا قطّ عن مطالبهم، وأن المطالبة الصهيونية بفلسطين لا تخضع للمعايير المنطبقة على بقية العالم، قدرتها على إيصال الفكر البشري، ولكن الأهم من ذلك بالنسبة لموضوعنا قدرتها على إملاء الفكر البشري بالتخفي، ميزة دولة الكيان الصهيوني، ومن ثم فهي ميزة تمارسها الصهيونية منذ عام 1948 ولكنها لا تزال تمارسها إلى غاية اليوم.

ومنذ منتصف ليلة 15 ماي 1948، والى غاية اليوم، لا تزال دولة الكيان الصهيوني تمارس الإرهاب بأشكاله المختلفة. في تلك اللحظة، أصبح الإرهاب الصهيوني «دفاعًا عن النفس»، وأصبح الفلسطينيون الذين يحاولون العيش في منازلهم وعلى أراضيهم «متسللين»، في حين أن الآلاف من الصهاينة انتقلوا على عجل إلى المنازل المسروقة وأصبحوا «مواطنين».

اليوم، الصهاينة المسلحون الذين يغزون الأرض الفلسطينية، ويسيطرون على منازل غير اليهود ويطردون أو يقتلون سكانها، ليسوا إرهابيين، بل إنهم في الواقع ليسوا مجرمين، بل «مستوطنين»، وهو مصطلحٌ حميد بشكل خاص عند الحكومات الغربية وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تستخدمه كتبُهم المدرسية بحنين في روايتهم الوطنية. هؤلاء «المستوطنون» الصهاينة هم «مدنيون»، ومن ثمّ ضحايا أي مقاومة، في حين أن العائلات الفلسطينية التي تقاوم ضد التطهير العرقي، إذا دافعوا عن أنفسهم وديارهم، هم من “الإرهابيين”.

تتلقى دولة الكيان الصهيوني بدعم واسع وكبير وخاص من الدول الغربية، وخاصة من اليمين المتطرف كان هذا في الولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا… فالغربُ عموما يكيل بمكيالين خاصة ضد الفلسطينيين تحديداً. ومنذ عام 1948، إلى غاية اليوم، مازال السكان الفلسطينيون غير اليهود، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، يتعرضون  لحملات تطهير عرقي ووحشية كبيرة. لم أجد الكلمات لوصف هذه الإبادة التي يقوم بها الكيان الصهيوني خاصة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى اليوم ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، بل وحتى في لبنان وسوريا، وبمساعدة عسكرية غربية، بل وحتى عربية لاسيما من الدول العربية المطبِّعة. ولكن منذ “طوفان الأقصى” فإن الكيان الصهيوني في سقوط حرّ نحو الهيكل الثالث.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!