كيف تعزز النخب الوحدة الوطنية؟
حضرتُ مؤخرا بمقر الجمعية الثقافية الجاحظية بالعاصمة ندوة في غاية الأهمية من حيث موضوعها المتميز بعنوان: “دور النخبة في تعزيز الوحدة الوطنية”.
ومن حيث القامات الفكرية المحاضرة أمام جمهور نوعي، قد يكون موضوع الندوة ساهم في حضور العديد من الوجوه الإعلامية والثقافية لهذا اللقاء الذي نشطه الدكتور النشط والحيوي أحسن تليلاني.
كان أول المتدخلين هو الدكتور عبد الرزاق قسوم الذي عاد في مداخلته إلى دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في بعث الروح الوطنية وإرساء القيم الروحية الإسلامية والأخلاقية والحضارية باعتبارها ركائز الأمة ووحدتها وانسجامها في مواجهة سياسة الاستيطان والتفرقة التي حاولت فرنسا الاستعمارية فرضها في هذه الديار .
أما الدكتور محمد أرزقي فراد فقد تناول بما يسمح به الوقت بالبيان والتوثيق ذلك الالتحام بين مكونات المجتمع الجزائري من عرب وأمازيغ مستشهدا بنصوص لنخبة من علماء وسياسيين أمازيغ وعرب من دون أن ينسى ذلك الالتحام بين مختلف مناطق جهات الوطن أثناء الثورة التحريرية.
من جهته تطرق الدكتور مولود عويمر إلى الحركة الوطنية وأقطابها ودورهم في بعث الروح الوطنية وتأطيرها وهيكلتها من خلال مختلف الحركات والأحزاب التي دخلت في سجالات سياسية مع المستعمِر الذي عمل على تفتيت الوحدة الوطنية عقائديا وجغرافيا، وبطبيعة الحال فإن النخب الوطنية آنذاك، وإن كانت متباينة في منهج العمل وأساليب المطالب، فإنها لم تختلف قطّ في الهدف الأسمى و هو الاستقلال ووحدة التراب الوطني.
واختتم الديبلوماسي عامر بغدادي بمداخلة ركز فيها بإيجاز على أنّ محاولات المدعو فرحات مهني لن تؤثر على الوحدة الوطنية لأن منطقة القبائل متشبعة ومتمسكة بوحدة البلاد من خلال نخبها الروحية والوطنية ومواطنيها الأكثر وعيا وإدراكا لعمق هذه الوحدة وحتمية صيانتها وتعزيزها..
ملاحظات واقتراحات
تابعتُ الندوة باهتمام وتمعّن، وكانت المداخلات علمية أكاديمية وتاريخية ذات بعد هوياتي، فانتابتني وإنا أتمعن في عنوان الندوة:
” دور النخبة في تعزيز الوحدة الوطنية” عدة استفهامات وتساؤلات: هل فعلا انسجمت المحاضرات مع مضمون اللقاء؟ وهل المطلوب منا هو العودة إلى أرشيف التاريخ لمعرفة دور نخبة الأمس في تعزيز الوحدة الوطنية اليوم؟ أم أن الأمر يتطلب منا البحث العميق لتحديد أولا: ما هي النخب المقصودة؟ هل النخب الفكرية العلمية السياسية المستقلة عن السلطة من كتَّاب، ومفكرين، وقيادات حزبية وجمعوية ومنظمات…؟ وهل لها كلمة مسموعة مؤثرة قادرة على أداء دور ما في تعزيز اللحمة والوحدة الوطنية؟ أم أن الأمر يتعلق بالنخب الرسمية السياسية والبرلمانية والإدارية والاقتصادية والعسكرية وغيرها كل من موقعه ومسؤوليته ومهامه الوطنية لضمان تعزيز وحدتها؟ أم أنها جميعا منسجمة متكاملة متماسكة لصيانة الوحدة الترابية والهوية الوطنية؟
شخصيا لا أريد محاولة الخوض في الإجابة على هذه التساؤلات الجدية، ولكن كنت أتمنى من الندوة أن تطرح هذه الأسئلة والاجتهاد في الإجابة عليها لتحديد المسؤوليات والأعباء إزاء الوطن ووحدته.
أما الملاحظة الثانية واعتبرها مهمة فهي: ما هي الرهانات والتحديات الظرفية الحالية التي قد تشكل خطرا على الوحدة الوطنية مما يستوجب على النخب التصدي لها؟ ومن أي جهة يمكن أن تتسرّب الخطورة على وحدتنا الوطنية؟ و بكل وضوح هل “فرقعات” المدعو فرحات مهني يمكنها أن تجرَّ وراءها منطقة القبائل الأكثر انتماء للوطن والأكثر دفاعا عنه بالأمس روحيا وعقائديا وكفاحا؟ صحيح أن سياق الندوة كان على اثر إعلان الإرهابي فرحات مهني “نكتة” الانفصال بإيعاز من قوى معادية معروفة مما اضطرّ الدولة إلى اعتبار تنظيم “الماك” إرهابيا والتعامل معه على هذا الأساس، إلا أن التركيز على الجانب التاريخي العقائدي الهوياتي لدعم اللحمة الوطنية اعتقد بأنه مجانبٌ للواقع ولصيرورة الأحداث والرهانات والتحديات التي تواجه بلادنا التي أصبحت جغرافيًّا عبارة عن قارة وبحدود برية تمتد على مسافة 6300 كلم و1600كلم بحرية محاطة بسبع دول أغلبها تعيش اضطرابات وعدم استقرار، ناهيك عن تمركز الصهاينة على حدودنا الغربية في أراضي جارة السوء بالأمس واليوم.
كل ذلك يجعلنا أمام رهانات وتحديات أمنية في غاية الخطورة
لاسيما من جنوبنا الشاسع المترامي الأطراف بثرواته الضخمة والمتنوعة التي تسيل لعاب أطماع القوى الكبرى مثلما أسالت بالأمس أطماع فرنسا وهي في آخر لحظات تواجدها الاستعماري تطالب بفصل الصحراء عن الجزائر محاوِلة استغلال التركيبة العرقية المتنوعة لسكان الجنوب من طوارق وعرب وبأعراق قبلية مختلفة، بيد أن التاريخ كتب لهؤلاء وقوفهم ضد المخططات الاستعمارية وكانت مظاهرات ورقلة في فيفري 1962 أكبر صفعة ثورية للاستعمار لتبقى الجزائر موحدة واحدة بفضل الله وإرادة أبنائها.
قلنا إن الرهانات والتحديات الحالية ضخمة وحساسة، فكيف تواجه القوى النخبوية الوطنية ذلك في هذه الظروف المتميزة لتدعيم وتعزيز الانتماء الوجداني واللحمة الوطنية لدى السكان في الجنوب تحديدا، لأننا في الشمال جد مطمئنين إلى يأس المغامرين الإرهابيين من وراء البحر.
إذا كان هناك جهد ودور للنخبة بمفهومها الواسع الرسمي الحكومي والجمعوي والفكري… تؤديه إزاء تقوية وتعزيز الوحدة الوطنية فيجب أن يتجه إلى جنوبنا الشاسع المترامي الأطراف لتخفيف العبء عن الجيش الوطني الشعبي المرابط على ثغورنا وحامي حمانا منذ استرجاع السيادة الوطنية، وجيلنا مازال يتذكر الاعتداء المخزني فيما عرف بحرب الرمال سنة 1963 في مناطق تندوف، وقد عشنا ذلك الالتحام الشعبي مع جيشنا الفتي للتصدي للعدوان المغربي.
إن اهتمام النخب بموضوع تعزيز الوحدة الوطنية نرى أنه يجب ألا ينحصر في الخطابات الهوياتية لأننا -في تقديري- قد تجاوزنا ذلك، وإن المواطن الجزائري في أي شبر من التراب الوطني أصبح ربما أكثر وعيا وإدراكا بوحدة البلاد أفضل من بعض الذين يعتبرون أنفسهم من النخب ويقدمون الدروس في الوطنية .
إن تعزيز الوحدة الوطنية في تقديرنا يرتكز على إجراءات عملية في اتجاه عموم المواطنين من ناحية :
1 – التنمية الاقتصادية الشاملة ومن خلالها الاجتماعية المتوازنة بين مختلف المناطق، مع التركيز على استدراك التأخر لدى الجهات النائية على غرار برنامج مناطق الظل لاسيما في الجنوب الواسع، ويكون ذلك وفق منهجية مدروسة حسب الأولويات والاحتياجات من البنى التحتية كالطرق أو المسالك المؤدية إلى التجمعات السكانية وحفر الآبار الارتوازية لتشجيع الفلاحة الصحراوية، وتشجيع الأنشطة المحلية من الصناعات التقليدية والسياحة والتجارة والمقايضة والتفكير في تعميم مناطق النشاطات تستجيب لطبيعة كل جهة من تلك الربوع الشاسعة.
-2 تقوية اللحمة الوطنية لدى السكان، إذ يستوجب على النخب بأشكالها وتنوع مهامها العمل على مزيد من الجهد لترسيخ البعد الوطني لدى سكان المناطق الحدودية المترامية الأطراف من حيث إنشاء الوحدات الإدارية الإقليمية من ولايات وبلديات وما يتبعها من إدارات عمومية لأن ذلك من شأنه أن يعزِّز الأمن القومي من جهة ويدعم الانتماء الوجداني واللحمة الوطنية لدى السكان في الجنوب تحديدا بتقريب مؤسسات الدولة الإدارية من السكان وعدم اعتبار العاصمة ببعدها هي المرجع الوحيد لقضاء مصالح السكان .
وغنيٌّ عن التسجيل هنا أن إبراز بطولات السكان ومواقف أعيانهم ضد محاولات الاستمالة لفصل الجنوب عن الوطن الأم من شأنه أن يجعل هؤلاء أكثر اعتزازا وشعورا بالانتماء الوطني.
-3 على النخب الوطنية وفعالياتها المختلفة أن تنبذ وتبتعد كليا عن خطاب الكراهية، والتفرقة، والطائفية، والجهوية، بل على النخب الرسمية أن تتصدى لذلك بتجريم هذه الصور والأشكال من السلوكات المسيئة للقيم الاجتماعية والتلاحم الوطني، كما يجب أن تكون الحكامة رشيدة عادلة لا تشعر فيها أي جهة من الوطن بأي شكل من أشكال التهميش أو الإقصاء في التنمية أو تولي الوظائف السامية أو العادية في دواليب الدولة ومؤسساتها.
إن دور الإعلام الوطني والجواري يجب أن يدعم من خلال تشجيع الطاقات الشبانية في إقامة مؤسسات الإعلام الموجهة للسكان المحليين بلهجاتهم والمعبِّرة عن انشغالاتهم ونقلها للسلطات المركزية مع ضرورة دعم القنوات الالكترونية بالإشهار وهي الأكثر احتكاكا بعموم السكان.
على النخب الوطنية وفعالياتها المختلفة أن تنبذ وتبتعد كليا عن خطاب الكراهية، والتفرقة، والطائفية، والجهوية، بل على النخب الرسمية أن تتصدى لذلك بتجريم هذه الصور والأشكال من السلوكات المسيئة للقيم الاجتماعية والتلاحم الوطني، كما يجب أن تكون الحكامة رشيدة عادلة لا تشعر فيها أي جهة من الوطن بأي شكل من أشكال التهميش أو الإقصاء في التنمية أو تولي الوظائف السامية أو العادية في دواليب الدولة ومؤسساتها.
-4 إن اختلال التوازن في الكثافة السكانية عبر الوطن يشكِّل إحدى الملفات بل التحديات والرهانات التي يجب على النخب بأشكالها العمل وعلى الأمد المتوسط والبعيد على معالجته من خلال تفعيل مخطط تهيئة الإقليم بتوفير شروط إعادة توزيع السكان بشكل متوازن تدريجيا،
ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إستراتيجية وطنية شاملة في العمران والصناعة والسياحة والتعليم ومختلف المرافق العمومية ووسائل الاتصال والمواصلات…
وعندما نوزع السكان عبر ربوع الوطن بعقلانية وموضوعية فإننا نكون قد أقمنا جدارا صلبا لضمان الوحدة الأبدية للتراب الوطني.