كيف يكون الابتكار ومؤسساته في قلب المقاربة التنموية للاقتصاد الجزائري؟
لا يختلف إثنان في أن النموذج التنموي الجديد للجزائر يعتمد على المؤسسات المصغرة والناشئة في مجال تطوير الاقتصاد الوطني، هذا النموذج الذي يضع في صلب اهتماماته البعد الابتكاري للعقل الجزائري من الشباب الباحث في شتى المجالات والتخصصات، والهدف الأساسي إحتواء هذا الكم الهائل من الطاقات الابداعية والابتكارية وتوجيهه نحو خدمة الإقتصاد الوطني من خلال بعث مجموعة من الاجراءات و الميكانيزمات القادرة على تحويل الفكرة إلى مشروع والمشروع إلى مؤسسة والمؤسسة إلى أداة لتوفير مناصب العمل وخلق القيمة المضافة ولمَ لا التصدير للحصول على العملة الصعبة.
صحيح أن اقتصادنا يعتمد على المحروقات موردا رئيسيا لمداخيل الاقتصاد الوطني بحصيلة فاقت 55 مليار دولار كما نطمح لتحقيق ما يعادل 10 مليار دولار خارج المحروقات، يضاف لذلك عمل كبير على مستوى الدبلوماسية الاقتصادية برئاسة السيد رئيس الجمهورية لتطوير مجالات حيوية على غرار القطاع المنجمي ومنجم غار جبيلات لخام الحديد وواد أميزور للزنك والرصاص ومشروع عملاق آخر يتعلق بمسحوق الحليب ويتعلق الأمر بمشروع “بلدنا”، لكن الدولة لا تعمل على محور واحد ولا على توجه واحد، بل تحاول استغلال كل الفرص القادرة على الرفع من أداء اقتصاد يصبو ليكون في طليعة الاقتصاد الإفريقي بعد أن أصبح في المرتبة الثالثة حسب تقرير صندوق النقد الدولي لسنة 2024 بناتج داخلي خام بلغ 266.78 مليار دولار ونسبة نمو متوقعة لنهاية هذه السنة بـ3.8 بالمئة، وهو ما يجعلنا نقول إن الوصول إلى ناتج محلي خام بـ400 مليار دولار أمرٌ ممكن في آفاق 2026، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا المجال هو: كيف يمكن للمؤسسات الناشئة والمصغرة المساهمة في الديناميكية الاقتصادية الفعالة؟ ولعلكم تستغربون إن قلت إن الإجابة ستكون في كلمة واحدة وهي “الابتكار”.
مدرسة ومجتمع مبتكِر
إننا اليوم ونحن نستهدف تطوير المؤسسات المصغرة والناشئة وجب علينا التأكيد على ضرورة توجه المجتمع ككل ليكون مبتكرا حتى يستطيع تطوير مَلكاته ومقدراته هذا المجال، وهذا لا يكون إلا من خلال دمج المدرسة في هذا المسعى من خلال العمل على تطوير مناهج التعليم وربطها بشكل أساسي بالمقاربات التعليمية التي تسمح للطفل بتطوير قدراته وإمكاناته وتخيلاته وهو ما يقوي لديه الابداع الذي سيتحول بعد النضج إلى ابتكار مجسد، ولعل أهم ما يساهم في ذلك اعتماد أساليب تعليم تعتمد على اللعب والمحاكاة مع تقليل المقاربات التي تعتمد على الحفظ والتخزين، كما أن دمج مواد وإن كانت لا صفِّية في مجال ريادة الأعمال والتربية المالية والتفكير التصميمي مهمة جدا خاصة في مرحلة الثانوي، وهو ما يجعل المراهقين المتواجدين في مدارسنا يتحلّون بأفكار يمكن تجسيدها في السوق المحلية، كما أن التركيز على بعض المهارات الحياتية المتعلقة بالاتصال والتواصل والتفكير الجمعي والمنهجي أصبحت أكثر من ضرورة خاصة أننا نعيش في زمن لا نحتاج فيه لحفظ المعلومة بل لإدراك أهميتها في ظل منظومة عالمية أغرقتنا بالمعلومات.
جامعة إبداعية لمجتمع إبتكاري
إن ما جاء به وزير التعليم العالي والبحث العلمي أ. د كمال بداري في خضم تحويل العمل من مقاربة تثمين نتائج البحث إلى مقاربة البحث عن احتياجات المؤسسات للتشارك معها من أجل تحقيقها، هو ثورة داخل الجامعة الجزائرية والتي اقترنت مع القرار 1275 الذي عمل في سنته الأولى على تحويل مذكرات التخرج إلى مؤسسات مصغرة وناشئة، وها هو في سنته الثانية يبحث عن شركاء في القطاع الاقتصادي من خلال مقاهي الأعمال والتظاهرات الرابطة بين الجامعة والمؤسسات الاقتصادية. كل هذا من خلال منهجية تكوين للطلبة المنضوين تحت هذا القرار تمكّنهم من اكتساب مجموعة من المهارات الاقتصادية والادارية والتي استطاعت أن تُخرج لنا مجموعة من الأمثلة الجميلة والمتميزة سواء تعلق الأمر بمهاراتهم التواصلية والاجتماعية أو ما وصلوا إليه في مشاريعهم الناشئة والمصغرة وآخر جلسة حضرتها ونشطتها كانت يوم 7 ماي الجاري بجامعة البليدة 2 وحضر فيها 3 نماذج تخرّج منهم 2 السنة الماضية وقد بدأت مؤسساتهم في العمل، والنموذج الثالث على وشك دخول السوق مع أن صاحبة المشروع لا تزال تدرس في الجامعة، والمتميز أكثر هو لغتهم الاقتصادية السليمة وفهمهم العميق للسوق وفرصتهم فيه، فكانوا خير سفراء لتجربة القرار 1275 التي بدأت تعطي أكلها في الميدان.
المؤسسات الاقتصادية والابتكار المفتوح
لا يمكن اليوم أن نلوم الدولة الجزائرية بعد صدور قانون الابتكار المفتوح الذي يحفز المؤسسات الاقتصادية على الانفتاح على الابتكار بدعم هذا القانون للمؤسسات من أجل إنشاء قسم خاص بالبحث والتطوير بمجموعة من الشروط أبرزها توظيف متحصلين على شهادة دكتوراه، كما يمكن للمؤسسة أن تموِّل مؤسسة ناشئة أو حاضنة أعمال بشرط حصولهم على لابال مؤسسة ناشئة أو لابال حاضنة أعمال وذلك على أن لا يفوق الملبغ المخصص الـ30 بالمئة من الدخل أو الربح الخاضع للضريبة على أن لا يتجاوز المبلغ 20 مليار سنتيم، تخيل كل هذا الدعم موجود للمؤسسات لكن قلة قليلة من هذه المؤسسات فقط من تحاول دخول غمار العمل في مجال الابتكار، وتساهم في تطوير مجتمع ابتكاري، لأن مرافقة المؤسسات للأفكار الابتكارية والمساهمة في تجسيدها سيمنحنا حدا من قصص النجاح والأمثلة الجميلة التي يمكن لها أن تقود المجتمع، وهو واحد من أهم أدوات المؤسسات خاصة في إطار المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات.
الدولة لا تعمل على محور واحد ولا على توجه واحد، بل تحاول استغلال كل الفرص القادرة على الرفع من أداء اقتصاد يصبو ليكون في طليعة الاقتصاد الإفريقي بعد أن أصبح في المرتبة الثالثة حسب تقرير صندوق النقد الدولي لسنة 2024 بناتج داخلي خام بلغ 266.78 مليار دولار ونسبة نمو متوقعة لنهاية هذه السنة بـ3.8 بالمئة، وهو ما يجعلنا نقول إن الوصول إلى ناتج محلي خام بـ400 مليار دولار أمرٌ ممكن في آفاق 2026.
الإستراتيجية الوطنية للإبداع والابتكار
إن الجزائر بحاجة إلى استراتيجية وطنية لتطوير الابداع والابتكار في عالم أصبح التطور فيه سريعا، إذ يجب أن يكون الهدف الأساسي لهذه الاستراتيجية تحسين مراكز الجزائر في الترتيب الدولي في الابتكار، مع جعل هذه الاستراتيجية الأساس للتفكير في جزائر الغد في مختلف المجالات، سواء تعلق الأمر بالقطاع العامّ ومختلف مؤسساته على غرار المدارس والجامعات والادارات ومؤسسات العمومية ذات الطابع الاقتصادي والقطاع الخاص لمرافقته في آليات دمج هذا التوجه في مختلف جوانب المؤسسة، والبحث عن سبل تحفيز الابتكار في كلا القطاعين، مع البحث عن أهم مقومات البيئة الابتكارية وتطوير نظام دعم وتحفيز الابتكار. إن هذا التوجه لا بد أن ينعكس على الجزائر في الأمدين المتوسط والطويل.
قد يبدو للبعض أن ما كتبته لا يعدو أن يكون أحلام باحث في مجال الابداع والابتكار، لكن ينسى هؤلاء أن هذا التوجه هو الذي أوجد لنا الواقع الذي نعيشه اليوم بتفاصيله، وجعلنا رهينة لاقتصاديات أخرى من أجل البحث عن التكنولوجيا أو المنتجات التي نحتاجها، لكن إيماننا بإمكاناتنا وإطلاق العمل الجاد كما هو عليه الآن من أجل تحقيق قفزة في مجال الإبداع والابتكار سيحوّلنا من بلد مستهلِك للتكنولوجيا إلى بلد مصنِّع لها في آفاق 2050، خاصة أن العنصر الأساسي في العملية موجود ومتوفر والحديث هنا عن العنصر البشري الذي يعدُّ أساس كل نهضة وركيزة كل تطور ولا يبقى لنا إلا أن نؤمن بأنفسنا ولا نكون كذلك الفيل الذي رُوِّض بكرة حديدية ضخمة فلما أتم مدرِّبه العملية استبدل الكرة الحديدية بأخرى من الخشب يسهل نقلها لكن الفيل لم ولن ينتبه لهذا التغير لأنه لا يجاري الواقع بل يعمل بما بُرمج عليه عقله الباطن، وكما أتمنى أن نبرمج عقولنا أن الممكن أكبر بكثير مما نعتقد وأن التطور أقرب إلينا من ما نتصور، فقط إن آمنّا بأننا قادرون على صناعة المعجزات تماما كما آمن أجدادنا بالاستقلال وعملوا وضحّوا من أجله حتى حققوه.