لأول مرّة.. ناطق رسمي باسم رئاسة الجمهورية
استحدث رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، منصبا جديدا ضمن مناصب الرئاسة، ويتعلق الأمر بمنصب وزير مستشار للاتصال، ناطق رسمي لرئاسة الجمهورية، وأوكل مهمة المنصب للوزير الأسبق للاتصال بلعيد محند أوسعيد المنسحب أمس الأول من رئاسة حزب الحرية والعدالة.
وحسب ما جاء في بيان لرئاسة الجمهورية “عين رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الأحد 29 ديسمبر 2019، بلعيد محند أوسعيد وزيرا مستشارا للاتصال ناطقا رسميا لرئاسة الجمهورية”، هذا المنصب الذي يدرج ضمن المناصب الجديدة التي لم تألفها هياكل رئاسة الجمهورية من قبل، سيجعل للرئاسة “لسانا” يعبر عن مواقفها ويتفاعل مع الأحداث الوطنية والدولية، شأنها في ذلك شأن نظيراتها في الدول المتقدمة والسائرة في طريق النمو.
الوزير الأسبق للاتصال بلعيد محند أوسعيد، المدعو محمد السعيد يعد أحد الإطارات التي تعرضت للتهميش والإبعاد من قبل النظام السابق إثر قبضة حديدية بينهما بسبب رفض وزير الاتصال السابق الانصياع للأوامر بالهاتف واعتراض شقيق الرئيس السابق ومستشاره الخاص المسجون حاليا السعيد بوتفليقة عن طريق تطبيق استراتيجيته.
ويفتح قرار رئيس الجمهورية، القاضي باستحداث منصب وزير مستشار مكلف بالاتصال، وناطقا رسميا لرئاسة الجمهورية، باب التساؤل حول مصير وزارة الاتصال ضمن الحكومة القادمة، وهل ينوي الرئيس الاحتفاظ بوزارة الاتصال أو التخلي عنها، خاصة أن المنصب الجديد يقع ضمن هياكل الرئاسة، وهو منصب يعنى صراحة بالتعبير الرسمي عن مواقف الرئاسة وطنيا ودوليا، ما يعني أن المهام تشكل جدارا سميكا بين منصب وزير الاتصال الذي يعد الفرع الوزاري المكلف بالاتصالات ضمن الحكومة، والجهة الوصية على التلفزيون العمومي والإذاعة الوطنية والجرائد، وبين منصب الناطق الرسمي للرئاسة.
ومن المرجح بحسب المتابعين للشأن الإعلامي، أن لا يتقاطع المنصب الجديد مع وزارة الاتصال لا من حيث الشكل ولا المضمون، فمن جهة التوجهات والاستراتيجية الجديدة للاتصال التي تضمنها برنامج الرئيس، تفرض وجود “لسان” للرئاسة يؤسس للقطيعة مع المرحلة السابقة التي سجلت في العديد من المناسبات غيابا فعليا في الاتصال المؤسساتي، الأمر الذي انجر عنه في الكثير من الأحيان الحصول على معلومات تخص أمن الجزائر وسيادتها من تصريحات مسؤولين أجانب لوسائل إعلام بلادهم، مثلما حصل في بداية جانفي 2013 عندما نقلت وسائل إعلام فرنسية عن الناطق باسم الإليزيه معلومة تخص فتح الجزائر لمجالها الجوي لتحليق الطائرات الفرنسية للعبور إلى مالي ضمن العمليات العسكرية التي عرفتها منطقة الساحل يومها، وهي المعلومة التي أكدها فيما بعد الوزير الأول الأسبق عبد المالك سلال بمناسبة تنشيطه ندوة صحفية في أعقاب انتهاء العملية العسكرية بتيقنتورين.
حادثة عبور الطائرات الفرنسية لم تكن الوحيدة التي أظهرت غياب الاتصال برئاسة الجمهورية، فعشرون سنة من حكم بوتفليقة، لم تسجل الساحة الإعلامية الوطنية حوارا للرئيس أو أحد معاونيه أو ممثليه بالرئاسة لوسيلة إعلام جزائرية، لدرجة أن الرئيس المستقيل خاطب الجزائريين في العديد من المناسبات عبر وكالة الأنباء الفرنسية.
من الجهة المقابلة، تفرض المعطيات المتعلقة بضرورة تنظيم مجال الإعلام وتأطيره بنصوص قانونية تنظم العلاقة بين الإعلام والهيئات والمؤسسات الحكومية، إلى جانب قانون الإشهار ومجلس أخلاقيات المهنة وتنصيب سلطة الصحافة المكتوبة، وغيرها من الملفات المعلقة طيلة سنوات، كلها ملفات ترجح فرضية وجود دائرة وزارية خاصة بالاتصال رغم أن هذه الوزارة تغيب في الأجهزة التنفيذية في الدول المتقدمة ووجودها لم تسجله سوى الأنظمة الشمولية المغلقة إعلاميا.
استحداث منصب مستشار للاتصال ناطق رسمي لرئاسة الجمهورية، يعد سابقة في الجزائر رسميا، وإن سجلت الرئاسة الاستثناء خلال فترة حكم الرئيس الأسبق اليامين زروال، حينما فوض مدير ديوان الرئاسة يومها ميهوب ميهوبي مهمة الناطق باسم الرئاسة، وذلك لمقتضيات المرحلة التي كانت سياسية بامتياز على اعتبار أن الرئاسة كانت تشرف يومها على إدارة الحوار الوطني، للخروج من الأزمة الأمنية والإرهاب الذي كاد يعصف بوجود الدولة.
كما أن الوقوف عند مستقبل وزارة الاتصال ضمن حكومة عبد العزيز جراد والمنتظر الإفراج عنها قريبا بعد أن كان قد نصب أمس مدير ديوانه ورئيس ديوانه بالوزارة الأولى، يحيلنا على تاريخ حقيبة وزارة الاتصال في الجزائر التي أوجدتها حكومات واستغنت عنها حكومات أخرى لسنوات تعدت أحيانا الـ4 سنوات، فتاريخ الحكومات الجزائرية يسجل اختفاء حقيبة الاتصال ضمن حكومتي الرئيس أحمد بن بلة، ولم تستحدث هذه الوزارة إلا في جوان 1965، كما عادت لتختفي هذه الحقيبة ضمن حكومة حمروش الأولى والثانية، في الفترة ما بين سنتي 1989 إلى سنة 1991، وعادت حقيبة الاتصال لتختفي مجددا ضمن حكومة أويحيى الخامسة بداية من شهر أفريل إلى غاية شهر جوان 2007.
فهل يعد استحداث منصب مستشار ناطق رسمي باسم رئاسة الجمهورية مؤشرا فعليا على استراتيجية اتصالية جديدة لأعلى مؤسسة في الدولة؟.
هذا هو الناطق باسم الرئاسة
بلعيد محند أوسعيد، من مواليد 20 جانفي 1947 بتونس من عائلة تنحدر من قرية بوعدنان بولاية تيزي وزو، متزوج وأب لثلاث بنات، وحامل لشهادة ليسانس في القانون الدولي العام وكذا ديبلوم في العلوم السياسية.
وتولى الوزير المستشار للاتصال الناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية، عدة مناصب ومسؤوليات طيلة مساره المهني، تقلب فيها بين المناصب الدبلوماسية والحكومية وهو الوزير الأسبق الذي بدأ مشواره المهني صحفيا بالتلفزيون الجزائري ثم مديرا عاما لجريدة الشعب ومديرا عاما لوكالة الأنباء الجزائرية قبل أن يشغل منصب مدير المركز الجزائري للإعلام والثقافة ببيروت.
كما تولى منصب سفير الجزائر بالبحرين ومديرا للإعلام والصحافة والناطق الرسمي لوزارة الشؤون الخارجية وكذا ممثل الجزائر لدى منظمة المؤتمر الإسلامي قبل أن يشغل منصب وزير الاتصال.