-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا لكارثة لاهثة ما بعدها كارثة

الشروق أونلاين
  • 1178
  • 0
لا لكارثة لاهثة ما بعدها كارثة

يظل الحديث عن قطاع التربية والتعليم يثير في النفوس آلاما حقيقية، فهذا القطاع الهام جدا، يعاني منذ الاستقلال من وطأة ما يشبه العذاب ويحيا في ظروف أقل ما يقال عنها إنها بائسة وغير تربوية، لقد شهد هذا القطاع موجات من التجارب واستمر ذلك إلى أيامنا هذه عندما جاءت طائفة من الناس لتتولى الدور المكروه ومازال دورها مستمرا إلى غاية كتابة هذه السطور، لذلك أقول:

نتيجة لسياسات التربوية الانفعالية والنيات السيئة والممارسات التي وصلت إلى درجة الاستفزاز التي اتبعتها وزارة التربية في المدة الأخيرة أخطرها استعمال العاميات في التدريس في المراحل الأولى من التعليم، خصوصا بعد إعلان هذه الوزارة المنكوبة الحرب الضارية على الفصحى العمود الفقري للسيادة الوطنية ووحدتها، بإيعاز من أعداء الجزائر القدامى والجدد وحلفائهم داخل الوطن.

انتاب أحرار الجزائر وكل المواطنين المخلصين حالة من التوتر والقلق وعدم استقرار نظامنا التربوي، خاصة في المدة الأخيرة، بشكل لم يشهده في تاريخه من قبل. 

وقد تجسدت هذه السياسات التربوية والممارسات الخاطئة، بل والمنحرفة واللاوطنية في الصيغ العبثية والمتخلفة التي تتناقض مع روح العصر والمفاهيم الجديدة وطموحات الشعب التواق إلى التحرير اللغوي والإستقلال الكامل والتنمية والتقدم المرجو. 

ومنذ مجيء أركان وزارة التربية اليوم، اتخذوا جملة قرارات وإجراءات استفزازية للشعب ورجال التربية خصوصا، كما حاربت الفصحى والقيم الدينية والوطنية، بل والعلمية الحديثة، والتصدي بقوة لتيار أنصار الفصحى، والاستخفاف بها، ومنعها من احتلال مكانتها اللائقة بها، وإرجاع المجتمع مئات السنين إلى الوراء، ومنع أبناء المجتمع من التعرف على لغتهم ولغة أجدادهم ولغة ثقافتهم وحضارتهم العريقة التي تعرفها المجتمعات المتطورة، زيادة على إثارة النعرات الجهوية والطائفية والإقليمية، بل والطبقية بين أفراد الشعب الواحد، وفتح باب للتدخل السافر في الشؤون الداخلية للبلاد، وشن الحملات الإعلامية الملأى بالكذب والتزوير.

إن مثل هذه الأفكار الضالة والسياسات التربوية الخاطئة والملتوية التي ارتكبها أركان وزارة التربية في المدة الأخيرة، قد خلقت ظروفا سياسية سلبية عند الأغلبية الساحقة في صفوف الشعب. وأحدثت حالة من القلق النفسي والاجتماعي أربكت المواطن وقتلت آماله وطموحاته المشروعة.

ومثل هذه السياسات التربوية الشاذة قد تؤثر بصورة فعالة وخطيرة في الظواهر الاجتماعية والحضارية والسلوكية للمجتمع، ولا سيما ما يتعلق منها بقوانين التربية والتعليم، وهي من صميم قوانين السكون الديناميكية الاجتماعية والفعل ورد الفعل بين الظواهر الاجتماعية المستقلة والظواهر الاجتماعية المعتمدة، ثم التفاعل الجدلي، فيما بعد، بين الجزء والكل، أي بين الفرد والمجتمع.

والأوضاع المتردية التي ستسود، إذا سادت العامية في التدريس، الذي يهدف إليه هؤلاء والذين يتسترون وراء تطوير المناهج التعليمية كل يوم، وتطوير المناهج منهم براء، سيؤثر في علاقات الأفراد والجماعات تأثيرا سلبيا، وسيحطم ما تبقّى من الأنماط السوية والمثالية للسلوك الاجتماعي وسيعرقل نشاطات وفعاليات المؤسسات البنيوية الفوقية والتحتية، وستصدع الوحدة الوطنية، وستعرض البلاد برمتها إلى جملة مشكلات اجتماعية معقدة نحن في غنى عنها.

أما إذا طبقت هذه السياسات التربوية -أملي كبير في فشلها- فالأضرار التي ستلحق بالأفراد والمجتمع فكثيرة ومعقدة، منها تصدع وحدتنا الاجتماعية والنفسية وفقدان أهدافنا وطموحاتنا وسوء إدارتنا وقيادتنا وضعف علاقاتنا بالمجتمعات العربية والإسلامية، وتفكك تركيبنا الهيكلي، وعجزنا عن أداء وظائفنا أفرادا ومجتمعا.

إن حالة متفسخة كهذه لابد أن تقود إلى سقوط النظام الاجتماعي برمته بعد انهيار النظام التربوي التعليمي، وظهور سياسات تربوية متعددة هزيلة، واحتدام الصراعات الجهوية والاجتماعية والطبقية والانقسامات الفكرية والإيديولوجية، وظهور تناقضات فردية ومصلحية، وتلك هي الكارثة ما بعدها كارثة.

لعل أبرز أسباب الظروف البائسة التي يعيشها رجال التربية عندنا، فقدان الثقة المتبادلة بين الأساتذة والمعلمين وأركان وزارة التربية في المرادية، فهؤلاء لا يحترمون قرار الأساتذة والمعلمين، الذين هم جزء من الشعب، ولا يريدون لقطاع التربية والتعليم الطمأنينة والتقدم، ولم يقدموا للقطاع أي مكاسب تذكر، بل على العكس يردونهم حتى عن لغتهم وثقافتهم التي كانوا يتمتعون بها حتى في وقت الاستعمار، إذ كل الزوايا والمدارس الحرة كانت تعلم باللغة العربية الفصحى في جميع أنحاء الجزائر بما في ذلك المناطق التي لا يعرفون حتى العامية العربية.

واليوم يريد أركان وزارة التربية في المرادية فرض الذل والهوان ويعطلون اللغة العربية الفصحى وطاقاتها الخلاقة، ويقتلون آمال أبناء الشعب وطموحاته، لهذا لا نثق بهذه الأركان ويظهر ذلك جليا فيما نقرأه من المقالات التي تنشرها الجرائد، ولا يريد أصحابها التعاون والتضامن مع وزارة التربية وأركانها، بل سيعمل هؤلاء الكتاب التخلص منهم كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

وما هذه المقالات الإحتجاجية والاستنكارية إلا مؤشرات مادية توضح طبيعة التناقض بين الشعب وأركان وزارة التربية الوطنية، وتشير إلى طبيعة الرفض القاطع لهذه السياسات التربوية الضالة المضللة التي تجتاح الجزائر في الوقت الحاضر، بيد أن هذا الرفض بين قوى الجماهير وأركان وزارة التربية، وفقدان الثقة بينهم وبين إطارات قطاع التربية نتيجة هذه السياسات المتخلفة والخطط الخاطئة والأساليب اللا وطنية التي يعتمدها مسؤولو وزارة التربية مع أبناء الشعب، تشغل بال كل مواطن وفكره، وتجلب له الحيرة والقلق وتلزمه على التنصل من هؤلاء الجهلة والوقوف ضدهم وضد برنامجهم المتخلف الذي يقتل عند رجال التربية روح المثابرة والعمل الخلاق وتدفعهم على التذمر وعدم الرضى والعصيان كما رأينا في السنة الماضية.

ومما يزيد قلق المواطن وارتباكه علمه بالتناقضات والصراعات والانقسامات بين أركان وزارة التربية ورجال التربية وتنافسهم على فرض رأيهم.

ومثل هذه الانقسامات بين الطرفين تجعل أركان هذه الوزارة في حالة فوضى وعدم استقرار، ومن ثم غير قادرين للتفرغ لشؤون القطاع ومشكلاته الحقيقية.

صحيح أن الصراعات الايديولوجية كانت موجودة في هذا القطاع الحساس قبل مجيء دعاة العاميات للتدريس بها، إلا أن هذا الصراع الجديد أخذ قالبا خطيرا وبات يهدد سلامة البلاد واستقرارها.

فدعاة العاميات يعتقدون بأنهم أعلى منزلة من غيرهم من رجال التربية وأفضل طرحا وأكثر أنصارا من غيرهم، ومستعدون لينكلوا بهم ويغمطوا مطلبهم المشروع والمتمثل في الإبقاء على التدريس بالفصحى ويبقوا ضد طموحاتهم وأهدافهم المتمثلة في تعميم التعريب في جميع مراحل التعليم من الروضة إلى الجامعة.

وإجراءات جائرة كهذه تؤجج روح الحماس الوطني ويدفع أنصار الفصحى إلى الدفاع عن مطلبهم والتصادم المتوقع مع دعاة العاميات في التدريس.

وهذا الصراع الايديولوجي المتوقع لا يختلف عن الصراع الجهوي والمذهبي فتصبح بلادنا مقسمة إلى طبقات اجتماعية متناقضة كطبقة المثقفين والطبقة البورجوازية المسيطرة على المصالح والأعمال الاقتصادية والطبقة العمالية الكادحة التي لا تمتلك أي شيء سوى الجهود والطاقات البشرية لقاء أجور زهيدة.

ومثل هذا الصراع اللغوي والتناقض الثقافي سيتسبب في تصدع الوحدة الاجتماعية والنفسية والفكرية للمجتمع الجزائري الذي نريده أن يكون واحدا موحدا، الأمر الذي يثير شعور الحيرة والقلق مهما تكنْ انحداراتهم وخلفياتهم الاجتماعية.

ومما يزيد من تفاقم الأوضاع التعليمية في بلادنا تدهور المستوى التحصيلي العلمي والأدبي نتيجة سوء الإدارة البيداغوجية والإدارية واضطرابات عناصر القيادة والتوجيه البيداغوجي وتناقض أفكار سياسات المسؤولين عن القطاع مع حاجات وطموحات المعلمين والأساتذة.

إنّ ما ينبغي على أركان وزارة التربية أن تعرف بأن التكوين المستمر للمناهج، وبلغة رسمية واحدة، أصبح ضرورية وحتمية للعديد من المتغيرات التي تلاحق المجتمع مثل التطورات في الفكر التربوي والتجارب الحديثة جدا في عملية التدريس وغيرهما من جوانب التعلم، وبناء على هذا فالمعلم يجب أن يراجع كفاءته واكتساب الجديد بحيث يصبح قادرا على الدوام على تنفيذ المناهج الجديدة، مما تنعكس نتائجه في نهاية المطاف على مدى كفاءة العملية التعليمية التعلمية ونتائجها بالنسبة للفرد والمجتمع، إلى غير ذلك من المهام، وليس الرجوع إلى الوراء بمئات السنين، بفرض العاميات في التدريس.

من كل هذا نستنتج بأن وزارة التربية سائرة في طريق التخلف والانحطاط والدمار.


*مفتش التربية الوطنية -سابقا- / رئيس فرع اتحاد الكتاب لولاية تيبازة -حاليا-

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • الجزائري

    من كل هذا نستنتج بأن وزارة التربية سائرة في طريق التخلف والانحطاط والدمار !!!!!!!!!!!....
    هذه نتيجة واقرار من مفتش التربية الوطنية -سابقا- / رئيس فرع اتحاد الكتاب لولاية تيبازة ..... وهل بعد هذا من ستدراك الوضع قبل ان تحصل الكارثة ويقع الفاس في الراس ونندم حيث لا ينفع الندم وعندها يفرح اعداء الامة ويضحكون علينا كثيرا.

    شكرا جزيلا على المقال وعلى دفاعك عن ثوابت الامة.