لاجئو رحلة التّيه.. بين الهلاك والذُّلّ
كم من لاجئ ينبغي أن تبتلعه أمواج البحر الأبيض المتوسط المتلاطمة؟ وكم من طفل ينبغي أن يُهلك في هذا البحر ليُكبّ على وجهه في شاطئ من الشواطئ؟ وكم من هارب بين الحدود يجب أن يُركل ليُقبض عليه ويُذلّ بطريقة مهينة؟ كم يجب أن يعاني من هؤلاء حتى يستيقظ الضمير العربي؟ كم يجب أن يتيه ويهلك ويتشرّد من اللاجئين ليعيشوا حياة كريمة؟
هل يجب أن ينتظروا حتى تتساقط عليهم البراميل المتفجرة؟ أو يموتون جوعاً تحت ما تبقى من حطام المباني؟ هل يجب أن يقبعوا في أماكنهم حتى يسيطر عليهم تنظيم “داعش” ويضرب أعناقهم؟ أو يلتحقون بأحد الجبهات القتالية ويتورطون في حرب الأشقاء مع أو ضد أنظمتهم؟ ماذا يجب أن يفعل هؤلاء المضطهدون الأبرياء؟ وأيّ طريقة يختارون كأسلوب مناسب لهلاكهم؟
إنها رحلة التيه، والبحث عن الحياة، مجرد حياة لهم ولأبنائهم، لقد أصبحت الحياة البسيطة مجرد حلم، إن مأساة هؤلاء اللاجئين لا تكمن في المطالبة باللجوء الإنساني في أي دولة في العالم فحسب، رغم أهمية ذلك وما فيها من مخاطر بالنسبة لهم، بل في الكوارث التي يعيشونها في بلدانهم جراء الحروب والمآسي، وما ينتهجه حكامهم من تسليط أقصى درجات الدمار العشوائي والقتل الجماعي.
إن واقع التشرد واللجوء، يفرض أوضاعا إنسانية صعبة، وصلت فيها حالة هؤلاء اللاجئين إلى ترك أهلهم وممتلكاتهم وأعمالهم بسبب الحروب، أي أن الوضع لا يتعلق بهجرة عادية، فمن البديهي أن يبحث الإنسان عن الأمان، وأبسط متطلبات العيش. يجب أن نبتعد في هذه الظروف عن التفكير بأيِّ أمر يتعلق بالبُعد السياسي أو العسكري أو حتى الاقتصادي، والتركيز على البُعد الإنساني، والإنساني فقط، نحن نعلم جميعاً أن سبب معاناة هؤلاء اللاجئين هو قهر الأنظمة وظلمهم لهم، ولكن يجب أن لا ننتظر حتى إيجاد حل سياسي أو عسكري أو التفكير في المساس باقتصاد البلدان الأوروبية إزاء تدفق اللاجئين نحوها. أوروبا التي حان دورُها لكي ترد الجميل لهؤلاء النازحين، فقد نهبت ثرواتهم في فترة الاستعمار، وأوصلتهم في الأخير إلى الحال المزري الذي يعيشونه في هذه الظروف، وكأن لسان حالهم يقول: ها نحن أتينا لنسترجع حقنا المسلوب في وقت مضى.
الآن، نحن أمام أوضاع إنسانية رهيبة، تسقط حيالها كل الحسابات السياسية والاقتصادية والعسكرية والعرقية والأيديولوجية، هذا ما يجب أن نقوله في هذه الظروف، لقد استطاعت صورة ايلان الكردي ابن الثلاثة أعوام أن تهز أرجاء الكون، بوجهه المغموس في برمال شاطئ مدينة بودرم التركية، إنها الصورة التي وقف أمامها العالم مذهولا لبشاعة هذا المنظر؛ فإذا كان الأمر يتعلق بمشهد لا يقل بشاعة عمّا فعل الكيان الصهيوني بالطفل محمد الدرة، وهو في حجر أبيه، ولا يقل بشاعة أيضا عمّا فعل هؤلاء اليهود بحرق الرضيع علي دوابشة، وعمّا فعل كل طاغية وجبار كان سبباً في موت الأبرياء، ذنبهم الوحيد هو رغبتهم في العيش الكريم في بلادهم، فهل ستنتهي بشاعة رحلة التيه هذه لهؤلاء اللاجئين، والتي لديها مخرجان لا ثالث لهما، إما الهلاك في البحر أو الذل على الحدود!؟..