لاسترجاع اللمة .. عائلات تعلن الحرب على العزلة الرقمية في رمضان
رغم كل المحاولات المستميتة، لاسترجاع كيان العائلة الجزائرية، وإنقاذها من الشتات، ييقى أمل الجزائريين للملمة ذاكرتهم الجماعية، هو شهر رمضان الكريم، شهر اللمة أمام تيار الإنترنت والسوشيال ميديا الجارف.. الشروق العربي، تسبر أغوار العائلات في مواجهة المد الرقمي، بين المقاومة والاستسلام.
مع بداية شهر رمضان، يتغير ديكور المدن والقرى وروحها، تتجدد ملامح البيوت، تتبدل إلى بياض الجدران والقلوب، المطبخ ينتعش بأفراده، وروائح الأكلات التقليدية تنادي هلموا حول مائدة رمضان السخية الكريمة، فهي ليست مجرد طاولة من الخشب، بل موعد لتصفية النفوس من البغض والكراهية، وأيضا أجمل طريقة للتسامح. فحين تجلس إلى مائدة واحدة، وتتذوق طعاما واحدا، تحن القلوب وتذوب الشحناء.
ولكن الواقع غير ذلك، فمع اكتظاظ الناس في الأسواق والمولات، لشراء مستلزمات المطبخ، تبقى الديار فارغة من حشود الزائرين. ماذا حدث يا ترى؟ قد لا يحتاج الأمر ذكاء خارقا منا، فقدوم التكنولوجيا بجيوش الآيفون والآيباد، وانتشار السوشيال ميديا كأداة وحيدة لصلة الرحم، هي سبب كل هذه الكوارث الاجتماعية.
جملة ذات منفعة رمضانية
عائلات كثيرة لا تزال تقاوم هذا السيل العرمرم للتكنولوجيا، الذي جرف معه العادات والتقاليد، وبصفة خاصة اللمة الحلوة. فكل فرد من الأسرة قد يكون حاضرا بجسمه في مائدة رمضان، لكن ما أكثر الشاردين والفارين إلى غرفهم وأصدقائهم، كي يأخذوا جرعتهم اليومية من أنستغرام وفايسبوك وتيكتوك.
السيدة ياسمينة، تفرض على أولادها المتزوجين قضاء أول يوم من رمضان في البيت العائلي، وليس هذا فحسب، فهي تدعوهم كل نهاية أسبوع للإفطار مع كل أفراد العائلة: “الكثير من كناتي يحاولن التملص من هذا التقليد، لكني كنت صارمة معهن، أن هذا يغذي روح العائلة ويقوي أواصرها”.. وتواصل السيدة ياسمينة متحسرة: “العروسة، كما نناديها في الجزائر، تسير في الكثير من الأحيان بمكيالين، فهي تسارع لعرضات عائلتها، وتوسوس لزوجها بألا يكثر زيارة أهله في رمضان”.
اللمة مهما كان الثمن
السيد حسين أرمل، وبعد وفاة زوجته بدأ الأولاد ينفرون من البيت العائلي، لأنه يذكرهم بوالدتهم، رحمها الله.. لكنهم بذلك يعاقبونني، فأنا اعتدت أن تجتمع عائلتي حولي، خاصة في رمضان، أكلم هذا وأعاتب ذاك وأحضن أحفادي وأعدهم بالهدايا”. بعد مدة، أصرت عليَّ بناتي بإعادة الزواج، فوافقت، لأنه لا أحد يهتم بي مع انشغالهن في بيوتهن. المفاجأة السارة اليوم، أن زوجتي أقنعتهم بزيارتي بحجة الإفطار في رمضان، وكانت دائما تذكرهم بواجبهم تجاهي، وأن صلة أبيهم هي ما سيفرح والدتهم في قبرها”.
أيمن، طالب جامعي، يدرس خارج ولايته، يقول بنبرة حزن: “في رمضان من الصعب التعود على الإفطار وحيدا أو مع بعض الأصدقاء، لأن لمة رمضان ولقاء العائلة لا يعوض”. وينصح أيمن الشباب بأن يلتزموا حضور الإفطارات العائلية، لأن خرجات الإفطار في الغابة أو على شاطئ البحر لا يحل مكان الأكل الساخن اللذيذ، والصلاة في المسجد، رفقة الوالد والإخوة”.
الداء والدواء
في زمن تسيطر فيه الهواتف الذكية على كل تفاصيل حياتنا، هناك من يحاول أن يقاوم من خلال التوعية بقيمة اللمة في الشهر الفضيل، أو بعده، وهذا من خلال الأداة التي دمرت العلاقات العائلية، وهي منصات التواصل الاجتماعي.
منال لا تستغني عن اللمة. لذا، قررت أن تفتح صفحة خاصة على أنستغرام، تروج من خلالها للعادات والتقاليد، وتحرص على نشر الستوريهات في رمضان، لتحفيز متابعيها على تحضير مأدبات إفطار للعائلة، على أن تكون العرضة بالدور. فغدا تناديك أختك للإفطار، وبعده تناديها.. وهكذا، تجد العائلة الكبيرة نفسها قد قامت بواجبها تجاه كل فرد منها.
أحيانا الدعوة لا تكفي، بالإضافة إلى الكرم، يجب أن تضع بعض القواعد البسيطة، لكنها صارمة، مثل وضع الهاتف جانبا، أو الرد فقط على الاتصالات المهمة، عدم قضاء الوقت في تصفح السوشيال ميديا، خاصة لأولاد العم والعمة وبنات الخال والخالة، كي يتمكنوا من التعرف على بعضهم. بعد الإفطار، يغادر المصلون البيت لأداء صلاة التراويح جماعة، وما أجمل مشهد ابن يصلي الكتف للكتف جنب والده، وما أجمل مشهد أخ يسد الفرج أمام الشيطان قرب أخيه.