-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الحرائق والآفة الغريبة وراء تراجع المردود

لعوينات.. عاصمة التين “السلطاني” الذي كان يصدّر لأوروبا

إسلام بوشليق
  • 3976
  • 0
لعوينات.. عاصمة التين “السلطاني” الذي كان يصدّر لأوروبا
ح.م

تعتبر قرية لعوينات الواقعة على ساحل البحر والتابعة لبلدية أخناق مايون، بغرب ولاية سكيكدة، رائدة في إنتاج وتسويق فاكهة التين سواء كانت ثمارها طازجة أو مجففة، على المستوى الولائي وحتى الوطني بعد أن ذاع صيته حتى في قلب القارة العجوز بلونه المائل للبنفسجي والمسمى “السلطاني”.
“الشروق” زارت الفلاحين والمنطقة والتقت بالعشرات منهم، والذين كشفوا عن أنواع التين ومراحل تجفيفه وفوائده، مسافرين في زمان الفاكهة وجغرافيتها وكيف كانت وكيف هو الحال الآن وما يأملون أن يكون.

وراثة أبا عن جد
أرجع الحاج رشيد بوالشرش، الذي حدث “الشروق” وهو حارس سابق في قطاع الغابات، أسباب تراجع إنتاج “التين السلطاني” الذي كان يباع في أسواق مارسيليا ونابولي إلى المرض الغريب الذي لحق بمزرعته التي ورثها أبا عن جد، أي أنها تعود إلى سنة 1974 أكثر من نصف قرن، وهو يبحث عن طرق للفتك بالحشرات التي غزت أرضه بسبب التقلبات الجوية في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الحرائق التي حتى وإن لم تصل لحقوله، إلا أن الجو الحار الذي تبعثه يؤثر على أشجار التين التي تعاني أيضا من الهرم وهي بحاجة إلى تجديد ذاتها.
وأضاف الحاج رشيد: “إن التين المجفف والمنقوع في زيت الزيتون كان غذاء المجاهدين إبان الثورة التحريرية المجيدة في جبال الشمال القسنطيني، حيث كانوا يكتفون بحبات منه للتغذية، ويعتبرونه ذخيرة بالنسبة إليهم لا يختلف عن الرصاص، فهو يغذيهم ويمنحهم قوة المواصلة”.
من جهته، المهندس الزراعي ونائب رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين، السيد كمال بوالشرش، قال إن قرية لعوينات تعد أولى المناطق في إنتاج التين بشتى أنواعه بولاية سكيكدة، وعبر التراب الوطني خاصة وأن الجزائر تعد ثالث بلد في إنتاج هذا النوع المسمى بـ”السلطاني” في العالم بعد تركيا ومصر، بحسب المهندس الفلاحي كمال، حيث حققت السنة الماضية إنتاجا وفيرا ونوعيا ناهز 1.5 مليون قنطار، مؤكدا أن أشجار التين تحتوي على شتلات عديدة تصل أحيانا إلى حدود 20 صنفا.
وقال المهندس الزراعي كمال بوالشرش، إن قرية لعوينات، التي ينحدر منها، تشتهر بالانتشار الواسع لشجرة التين، هذه الشجرة المباركة لها احترام وتبجيل عند سكان المنطقة، فهم جميعا يسمونها بـ”المباركة”، حيث أنهم يستهلكون كثيرا التين الطازج والمجفف، كما أن المزارعين يعتمدون على الطريقة التقليدية، وذلك بقطف الثمار من أشجار التين التي تحتوي على أصناف كثيرة وشتلات عديدة تصل أحيانا إلى حدود 20 صنفا على مستوى قرية لعوينات، وهناك أصناف مبكرة وأخرى متأخرة والصنف الأخير عادي ينضج خلال شهر أوت، ومثلا الشجرة التي تنتج “الزريقي” تمتاز بكثرة الإنتاج، حيث أن المزارع يقطف منها 5 أو 6 مرات وتبقى تنتج إلى غاية منتصف سبتمبر الحالي، وهناك من يجففه اعتمادا على الطريقة التقليدية وتتراوح مدة التجفيف ما بين يوم إلى ثلاثة أيام، وهذا حسب درجة الحرارة.
بعد التجفيف، يضاف له زيت الزيتون وهذا بعد خلطه، ثم يخزن لسنوات طويلة بشرط الاعتماد على الطريقة الصحيحة لتخزينه، وأضاف بوالشرش أن هناك عدة شتلات لشجرة التين وعند فلاح واحد ست شتلات من ثمار التين، فهناك “بوحلوف”، و”السلطاني” وهو نوعية فاخرة جدا وكان يقدم لكبار الشخصيات في القارة الأوروبية، وهو أحسن نوعية موجودة بالمنطقة وقديما كانت تطلق عليه تسمية “فاكهة السلاطين”، و”عنق الحمام” موجود في شمال إفريقيا من مصر وحتى الغزوات بولاية تلمسان، وأيضا أشجار “الخطري” وفي فلسطين يطلق عليه اسم “الخضري” وهي نوعية جيدة وعند التجفيف ترتفع قيمته الغذائية، حتى أن نسبة السكر فيه بعد التجفيف تزداد أكثر فأكثر، إضافة إلى “شتلات الأبيض” أيضا وهي نوعية جيدة جدا، وأخيرا “الزريقي” لأن لون حباته زرقاء وهذه النوعية تقاوم الظروف الطبيعية والمناخية وهو يصلح للتجفيف ويؤكل أيضا طازجا.

التجفيف يتم على مراحل
وأضاف السيد كمال بوالشرش، أن عملية تجفيف التين تمر عبر عدة مراحل، فمثلا، “عنق الحمام” أو ما يطلق عليه بالمنطقة “السلطاني”، وهو تين أسود ولذيذ ذو ذوق شهي لا مثيل له، عادة ما يقدم للضيوف ويحتفظ به أيضا للمناسبات الدينية كعيد الأضحى المبارك، وشهر رمضان وعاشوراء والمولد النبوي الشريف،
وهو غذاء كامل إذا ما تناول الصائم 6 أو 10 حبات منه، فإنه يقاوم الجوع والعطش لمدة طويلة وهو نوع ممتاز ومفيد جدا ويروى عن أجدادنا، حسبه، أنهم كانوا يقولون أن هذا النوع كان لا يقدم إلا للسلاطين والوجهاء.
وعاد بنا السيد بوالشرش إلى عملية تجفيف التين مؤكدا لنا أن المدة تتراوح ما بين يوم وثلاثة أيام، وهذا حسب درجة الحرارة حيث يتم عرضه على أشعة الشمس في الظهيرة، وبعد صلاة المغرب، يتم إدخاله إلى غرفة نظيفة تجنبا لضربات البرد أو المطر، لأن هذا الأخير يسبب له رائحة كريهة وينتج عنها تشكل الديدان، وتجنبا لكل هذا يتم إدخاله إلى المنزل، ووضعه فوق البلاستيك أو الفلين، والأفضل استخدام الفلين الموجود بكثرة في جبال المنطقة. وعند الانتهاء من تجفيفه وإسدال الستار على عملية الجني لشجرة التين منتصف شهر سبتمبر، يتم تفويره وذلك بوضعه في كسكاس فوق قدر به ماء مغلي، وتركه حتى يتصاعد البخار، تم يرفع الكسكاس ويوضع في قصعة حتى يبرد، وبعدها يتم خلطه مع زيت الزيتون لكي يحافظ على مدة صلاحيته لعدة سنوات.
وفي المرحلة الأخيرة، يتم تخزينه في أكياس قماشية، هذا واعتبر المهندس الزراعي كمال بوالشرش محصول التين غني جدا بالسعرات الحرارية، وتناول 5 أو 6 حبات على الريق صباحا يضمن لك يوما كاملا من دون الإحساس بالجوع، فتناول ثمرة واحدة من التين تعادل تناول 40 فاكهة من أنواع مختلفة، والتين هو من ثمار الجنة وهي تؤكل بكاملها لا نرمي أي شيء منها مثل قشره المفيد، وهذه خاصية من خاصية ثمار الجنة، وكشف نائب رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين كمال بوالشرش، أن هناك ثلاثة أنواع من أشجار التين، فهناك الأنثوية ولديها أوراق خماسية والذكرية ولديها أوراق ثلاثية والخنثى وهذه الأخيرة تلقح نفسها بنفسها والأنثى يشترط أن يتم جلب أشجار الذكورة بغرض تلقيحها شهر ماي حفاظا على عدم تساقط الثمار، وتجنبا لتراجع المنتوج.
وعن طريقة تسويقه، قال المهندس الزراعي كمال بوالشرش أن المنتوج يسوّق من المزارعين مباشرة إلى المستهلك، علما أن كل فلاح يقوم بتدوين طلبات المستهلكين في أجندته قبل نضج الثمار.
وعن الفوائد الصحية، أجمع المزارعون الذين التقيناهم، أنه مفيد للجهاز الهضمي والقولون، ويتراوح سعر التين المجفف ما بين ألف إلى 1200 ألف دج، وسعر الكيلوغرام من ثمار “شجرة السلطان” 600 دج، علما أن هذه الأخيرة لا تجفف، وتستهلك على حالتها الطبيعية، حيث أن سكان المنطقة في زمن سابق كانوا يتناولونه بكثرة وقت تساقط الثلوج وغلق الطرقات، أين تقل المؤونة بالمنطقة، ليتم الاستنجاد بالتين المجفف الذي يفيد بتوفير الحرارة للجسم في فصل البرد القارس.
ويقترح السيد كمال بوالشرش تنظيم عيد وطني للتين، مؤكدا أن سكان المنطقة يحافظون على ثلاثة أشجار يعدونها مباركة، وهي شجرة الزيتون، وشجرة الخروب، وشجرة التين لما لها من فوائد صحية لجسم الإنسان، ويرجع السيد كمال بوالشرش أسباب تراجع الإنتاج هذا الموسم إلى الظروف الطبيعية كالضباب والحرائق التي أتلفت الآلاف من الأشجار، كما أن المزارعين لا يستعملون المبيدات للحشرات التي تسبب تساقط ثمار التين، فيفضلون ذوقه الطبيعي حتى ولو كان قليلا، على استعمال المبيدات.

هكذا تحدّى الفلاحون حريق 1983
أشار الحاج رشيد، وهو حارس سابق بقطاع الغابات، إلى أن أشجار التين معمرة كثيرا، فهناك شجرة يزيد عمرها عن 60 سنة، وتنتج سنويا أزيد من قنطارين من التين الطازج، ولا زال الحاج رشيد يحافظ على عادات الأجداد في طريقة تحضير التين المجفف وعرضه للشمس فوق الفلين، لأن عرضه للشمس فوق الحديد كما يفعل آخرون، يؤثر عليه سلبا، وعن أسباب تراجع الإنتاج، قال الحاج رشيد إن السبب الأول يعود إلى الأمراض التي تصيب ثمار الشجرة، ومشكلة فلاحي لعوينات أنهم يرفضون المبيدات، فهم يستمعون ويطبقون نصائح مهندسي الفلاحة، لكن بمجرد ذكر المبيد أو الدواء يضحون بالفكرة والنصيحة، وبعضهم يفضل أن تبقى شجرته مريضة إلى أن تشفى طبيعيا على أن يرشها بالمبيدات.
إضافة إلى الحرائق التي أتلفت عشرات الآلاف من الأشجار، خاصة حريق 1983 ووصفه بالدمار الذي ضرب أحسن أنواع التين في العالم، بحسب قناعة أهل المنطقة، حيث عاد بنا إلى حيثيات هذا الحريق المهول بصفته حارسا سابقا في قطاع الغابات، فالنيران شبت في غابات سيوان بأولاد أعطية وانتشرت بسرعة في مختلف الغابات حتى وصلت إلى قرية لعوينات ببلدية أخناق مايون المشهورة بزراعة التين، أين التهمت الآلاف من الأشجار في مناطق مختلفة، وأتلفت ألسنة اللهب مساحات واسعة من الغطاء النباتي والأشجار المثمرة، أين تكبد الفلاحون خسائر مادية كبيرة نتيجة لتلف بساتينهم، وخلفت دمارا واسعا، وبقيت النيران ملتهبة ومتأججة لعدة أيام وقال الكثير حينها بأن أرض لعوينات لن تعيد تينها أبدا.
ومع مرور السنوات، بدأت الاجتهادات الفردية، فظهرت شجرة هنا وأخرى هناك، وبيع التين في ولاية سكيكدة ثم انتقل إلى ولايات شرق البلاد ووسطها وغربها ووصل منتوجه إلى الحدود الفرنسية – الألمانية وحتى إلى سويسرا، عن طريق رجل فرنسي خلال زيارته إلى قرية لعوينات حيث قدمت له هذه الفاكهة، فأعجب بمذاقها الحلو واللذيذ وقرر أخذ كمية معه بعد عودته. وفي العام الموالي، عاد إلى القرية وطلب كمية كبيرة بغرض تسويقها في مساحات تجارية في منطقة ميلوز على الحدود مع ألمانيا وسويسرا.
ويقول السيد نورالدين، وهو مزارع: “نعتمد على طريقة الأجداد في تسويق ثمار التين”، حيث كشف عن طريقة تسويق منتوجه وقال إنه يسوقه مباشرة إلى المستهلك، إذ يتم في البداية تسويق ثمار “شجرة السلطان” التي تمتاز بجودتها العالية مما جعلها مطلبا للمستهلكين من داخل وخارج الوطن، حيث يتراوح سعر الكيلوغرام ما بين 500 و600 دج ومنهم من يعتمد على طريقة الأجداد، حيث يتم بيع قفة أو إناء به أزيد عن 4 كلغ ونصف بحوالي 1000 دج، ويتم عرض السلع بجانب الطرق الوطنية والولائية، للسياح القادمين من داخل وخارج الوطن إلى المنطقة.
وأكد محدثنا أن المزارعين يقومون بوضع هذه الفاكهة اللذيذة بالمقاهي ويتم تناولها مجانا من طرف رواد المنطقة من السياح، في حين أن ثمار التين الأخرى التي تستعمل للتجفيف يتراوح سعرها ما بين 300 و400 دج، واشتكى أيضا من تراجع الإنتاج الذي أرجعه إلى وجود حشرة غريبة تهاجم الثمار فتسقط قبل نضجها، حيث طالب مديرية الفلاحة لولاية سكيكدة بإرسال أخصائيين في هذا المجال لمعالجة ذلك والقضاء على هذه الحشرة الضارة في مهدها بقلب التربة من دون مبيدات قد تؤثر على الفاكهة الطازجة. وأضاف أنه فكر في توسيع زراعة أشجار التين بالمنطقة للحفاظ على هذا الموروث ونقله للأجيال الصاعدة، واقترح أيضا إنشاء سوق محلي يسمح لهم بتسويق المنتوج للمستهلك مباشرة، واقترح أيضا تأسيس جمعية تضم العشرات من منتجي التين بالمنطقة، وهي الفاكهة التي أقسم الله بها وارتبطت بزمن الكفاح ووجب استرجاع مكانتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!