-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لغة الكنانيش

عمار يزلي
  • 1661
  • 0
لغة الكنانيش

المشكل عندنا في الجزائر فيما يتعلق بالقيم، هي أننا لا زلنا لم نعرف أنفسنا بأنفسنا! ولا زلنا لا نعرف أنفسنا إلا من خلال ما يعرفه له لنا الآخرون فينا، كانوا سابقا في غير صفنا وليسوا منا ولا فينا! وصاروا اليوم هم نحن ونحن لسنا هم!.

مشكل الهوية الذي لا يزال قلة منا يرسمونها لنا على أنها مشكلة لم تحل، هم أنفسهم من كانوا يشككون في وجود أمة جزائرية قائمة منذ قرون!، هم أولئك الذين لا يزالون إلى اليوم يذهبون إلى المقابر يسألون الموتى فيما إذا كانوا سمعوا يوما قبل اليوم بوجود أمة تدعى الجزائر!، مع العلم أن الموتى يسمعون ولكن لا يردون! وعدم ردهم ليس معناه معنى العذارى “علامة الرضا”!.

أقول هذا من باب ما يجري حول المنظومة التربوية وما يسمى بإصلاح الجيل الثاني!

أولا هل عرفنا معنى الجيل الثاني؟ وإذا كنا عرفناه، فهل عرِفناهُ؟ هل عرِفنا هذا الجيل وماذا يريد؟ هل عرِفناه حق المعرفة أم عرِفناه بحسب ما يريدون هم أن يُعرف! هذه هي المشكلة: قلة مستغربة، لم تعرف حتى نفسها من تكون وإلى أي فضاء حضاري تنتمي، كيف لها أن تعرف الآخرين إلى أي كيان ينتمون وإلى أي حضارة وتاريخ يميلون؟ أقلية ساحقة، تعتقد أنها أغلبية فتضع تصورات لهوية ذاتها وهي على رأسها هاوية، وتعمل على بنائها على أرضية من رمل باعتبارها قصورا ومباني وحصونا حاضنة! هذا هو المشكل! عقلية الاستغراب والاستلاب، لا تريد أن ترى خارج ما بداخلها، إنها ترى فقط نفسها من الخارج ولا تجد حتى إمكانية معرفة نفسها من الداخل!.

يتحدثون عن المستوى لأن اللغة الفرنسية مغيبة! وكأن المستوى كله في الفرنسة!، فمن يعرف أن مستوى التعليم في فرنسا منحط إلى درجة لا تطاق قياسا بالتعليم في ألمانيا وبريطانيا ناهيك عن أمريكا واليابان وبلدان أوروبية أخرى صغيرة مثل الدانمارك وهولندا والسويد والنمسا وسويسرا! مع ذلك، نحن لا نرى سوى النموذج الفرنسي وكأننا مثل ذلك الرجل الضرير الذي قدر الله وأن فتح أعينه لثواني معدودات قبل أن يعود له عماه، فلم ير خلال هذه اللحظة التي أبصر فيها سوى فأرا! فصار يقيس كل شيء على هذا الفأر الذي رآه، ويسأل من يحدثه عن البابور: هل البابور أكبر أم أصغر من الفأر؟  ثم يسأل من يتحدث له عن المكروب: هل المكروب أصغر أم أكبر من الفأر!. هكذا هي الجماعة عندنا، يقيسون كل شيء بمقاس تركة الاستعمار اللغوية رغم أنها لغة هالكة! ولو خُيّر الناس والتلاميذ بكل حرية بين تعلم الإنجليزية مثلا والفرنسية لاختاروا الإنجليزية! وقد حاولوا مرة أن يخضعوا هذا التوجه للتجريب، فجوبه هذا الاستفتاء الاختياري بمناورات فرنكوفونية رهيبة في المدارس تحذّر من لم يختر الفرنسية بعواقب قلة العمل والرسوب وقلة المدارس والمعلمين، فاختار الكثير “الوالفة خير من التالفة”! وهذا هو سر وجود لغة أقلية مهيمنة على أغلبية مهانة ومبعدة ومهمشة حتى في هويتها ورغبتا في اختيار اسمها ولقبها ودينها وانتمائها!.

هذا التوجه، يراد له اليوم أن يكرس في المنظومة التربوية “إصلاحات” لجنة بن زاغو التي أزاغت المنظومة التربوية عن خطها الحضاري الذي كانت ملامحه قد بدأت ترتسم مع الوزير علي بن محمد ومع الرئيس اليامين زروال الذي يعد ثاني شاوي بعد بومدين يكرس جهده للتعريب ويدافع عنه بكل ما أوتي من قوة، قبل أن يأتي من أتى بعده على الأخضر واليابس في العربية والتعليم والتعريب! كان ذلك رغبة في استمالة فرنسا التي لن ترضى عن أحد منا إلا إذا اتبع ملتها، ومن اتبع ملة فرنسا فمصيره معروف: الهوان والخسران المبين! لكن الكثير من هؤلاء القلة لا يأبهون ولا يعبئون بمصير أمة، بل يحاولون أن يغامروا بهذا المصير طمعا في تحقيق المشروع الذي فشل فيه أسلافهم المنعمون!

نمت لأجد نفسي أحذر خطة جهنمية في ليلة ليلاء، من أجل إلحاق المدرسة الجزائرية بذل مؤخرة المدرسة الفرنسية: غيّرت المناهج: دراسة التاريخ الأوروبي والفرنسي أساسا: حملة نابليون التي سمينها “فتح نابليون”! تمجيد دور شارلمان في التعليم وبناء أولى المدارس! محونا كل المقررات السابقة، وأدخلنا برامج هوية جديدة: تعليم الإسلام بالفرنسية، دروس ضد الإرهاب الديني الإسلامي ونشر تعالم التسامح في العلمانية والمسيحية والبوذية.. وحتى اليهودية من خلال دروس في ذم السامية والمحرقة وكيف أن اليهود كانوا دوما ضحايا منذ الرومان وحتى الحكم الإسلامي! كما قررنا تعليم الفرنسية للأطفال في لاكريش وفي الكتاتيب عوض حفظ القرآن! وكل الامتحانات والمسابقات الكتابية والشفوية لا تجر إلا بلغة واحدة هي الفرنسية! التوظيف يكون عل أساس نقطة اللغة الفرنسية الشفهية والكتابية! يمنع التحجب في الأطوار الابتدائية والمتوسطة والثانوية تمهيدا لمنع الحجاب في الجامعة!

القانون هذا لم يمانع مجلس الوزراء من الموافقة عليه، شرط أن يعدل بما يسمح لمن لا يحسن اللغة الفرنسية أن يتحصل على شهادة المستوى فيها في المدارس الخاصة! وهذا بعدما زرعت المدرس الخاصة بالفرنسية والفرنسية أصلا في كل زاوية.. (حتى تلك التي لم يزرها شكيب خليل!).

البرلمان، بغرفتيه لم يمانعا وإنما قبلا وهذا في غياب النواب والسيناطورات ببعض التعديلات في جلسة ليلية في “ويك آند”: رفع معامل الفرنسية إلى عشرة وتخفيض باقي المواد إلى 2 وتعميم استعمال الفرنسية حتى في المساجد.. أي في الصلاة! بدعوى أن الفرنسية الكل يفهمها فيما الفصحى “واعرة”!

فرنسا، منحتنا مساعدات كنا نرفضها والتي كانت تعطيها للدول الفرنكوفونية مثل مصر التي لا علاقة لها بالفرنسية، مع ذلك تحصل على مساعدات، فيما نحن كنا نرفضها نيف وشلاغم وصرنا اليوم في عز الأزمة نقبل كل ما يعرض علينا بل ونتسول ونتودد! قبلنا مساعدات فرنسا المشروطة بتعليم الفرنسية من قبل فرنسيين طمعا في تقليص معدل البطالة عندها على حسابنا وحساب لغتنا وهويتنا! وكرمنا “صنصال” عن أعماله الأدبية وباقي من سب الدين والمسلمين ومجّد اليهود وسوّد تاريخ المسلمين ونجّس المقدسات في رواياته بالعربية وبالفرنسية على حد سواء!

طبعا هذا لم يكن سهلا مع الإسلاميين والعروبيين والشاوية الأحرار، الذين أصروا على الإضرابات إلى أن يسقط مشروع “بلوم فيوليت” الجديد!

والآن أنا أشك في أن هذا المشروع قد ينجح مع هؤلاء الأعراب المتخلفين والمسلمين الأجلاف الذين يفضّلون تعلم التربية الإسلامية والعربية على تعلم لغة فلسفة فولتير وموليير..

وأفيق وابنتي تنادي كلبها “بوبي” بالفرنسية طبعا: بوبي..فيان إيسي.. كوشي.. (الكلاب هي الوحيدة التي نكلمها بالفرنسية في بيوتنا! مع العلم أن البيوت التي تدخلها الكلاب لا تدخلها الملائكة!). قلت لها وأنا أصرخ فيها: “أخرجي علي يا وحد الكلبة، أنت والكلب نتاع أمك!”.

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!