لماذا نصدّق الأجانب فقط؟
يكون السيد عبد المالك سلال، خلال آخر زيارة قادته إلى ولاية باتنة، قد طرح أهم وأخطر سؤال في تاريخ الجزائر المستقلة، وهو سؤال فتح حرية الإجابة عليه لجميع الجزائريين من دون استثناء، عندما سأل بنبرة فيها مزيج من اللوم والحسرة والغضب عن السبب الذي يجعل الكثيرين إن لم نقل كل الجزائريين، يصدّقون الأجانب ويكذّبون المسؤولين، ليس في الشؤون الهامة مثل مرض الرئيس، وإنما أيضا في الشؤون العامة التي تبدو عادية ولا تحتاج للصدق أو الكذب، وكما سأل السيد الوزير الأول، المحيطين به فأحرجهم وأحرج نفسه، فإن الشعب أيضا بكل طبقاته سأل السلطة على مدار سنوات عن السبب الذي يجعلها تصدّق الأجانب من خلال الثقة في الكفاءات الأجنبية في مختلف المجالات، ولا تصدّق شعبها.. من دون أن تجيب.
وسبق للسيد أحمد أويحيى، عندما كان رئيسا للحكومة في خطاب أمام الملأ، وأن وجّه لوما شديدا للشعب الذي يرتدي اللباس المستورد، ويفضّل كل ما هو آت من الخارج حتى ولو كان من النوعية الرديئة، واعتبر ذلك تبعية وعبودية، في الوقت الذي كان معاليه يلتهم سيجارة من نوع “مارلبورو؟” كما انتقد رئيس الحكومة الأسبق عبد العزيز بلخادم، تهميش المؤسسات الجزائرية في برامج التنمية، وكان أكبر من ساهم في منح المشاريع للمؤسسات الأوروبية بالخصوص؟ كما انتقد عباسي مدني، بتهكّم زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية سعيد سعدي، لأنه اختار فرنسا مقاما له على الجزائر، وعندما سنحت له الفرصة سافر ليعيش وربما ليموت في الدوحة، لأجل ذلك يبدو شعور السيد الوزير الأول، وهو يتحسّر لأن الناس ترفض تصديقه حتى ولو أقسم بأغلظ الإيمان، شعورا متبادلا وليس من طرف واحد كما يظن، وحبل الوصال من بين القمّة والقاعدة تمزّق في أهم أجزائه وهي الثقة، التي تجعل المسؤولين الكبار وحتى مدرب المنتخب الجزائري، يمنحون الحوارات للإعلام الغربي ويرفضون الظهور في وسائل الإعلام الجزائرية، وتجعل الرئيس يسافر إلى فرنسا للعلاج، ولو سمحت الجزائر لكل الجزائريين السفر للعلاج في فرنسا لافتتحت باريس مستشفى يسع لستة وثلاثين مليون مريض من دون داء، وكما يرتدي الوزير الأول وطاقمه الوزاري وحتى طباخوه وسائقوه وسكرتيراته الثياب المستوردة لأنه يصدّق “جهد” الأجنبي ويكذّب جهد الجزائري، ويمنح الكثير من المشاريع للأتراك والصينيين والفرنسيين، لأنه يصدّق “الكفاءة” الأجنبية ويشكّك في “الكفاءة” الجزائرية، فإن الشعب أيضا ردّ عليه بنفس الشعور المتبوع بالتطبيق، ضمن معادلة لا مظلوم فيها من الطرفين، وإنما كلهم ظلمة لوطن بدأ بالاتحاد والتضحيات، وانتهى إلى مستوى صار يقول فيه الوزير الأول، عن شأن يهمّ مصير الأمة، والناس تستمع لما قاله مطرب يهودي غادر الجزائر منذ أكثر من نصف قرن.
السؤال الذي طرحه الوزير الأول من عاصمة الأوراس، لا يختلف عن “طلقة” المصارحة مع الذات في الفاتح من شهر نوفمبر عام 1954، بشرط أن نجيب عن هذه “الطلقة” جميعا بصراحة، ولا نبقى نعيب غيرنا وزماننا وظروفنا.. والعيب فينا.