لماذا يقبل الغربيون على الإسلام؟
ما يشهده العالم هذه الأيام من منطق عدائي للعرب والمسلمين وغيرهم من الملونين وغيرهم من الشعوب المغايرة لشعوب الغرب، من قبل النخب السياسية الغربية، سواء في فرنسا على لسان جون ماي لوبان وابنته، أو في الولايات المتحدة الأمريكية بمنطق رئيسها الجديد ترامب، أو في كندا بذلك الفعل المجهول المتمثل في الاعتداء على مسجد للمسلمين بكبيك الكندية، أو في غيرها من الدول الغربية.
هذا المنطق العدائي، وإن بدا جديدا لا سيما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، هو الأمر الطبيعي المتناغم مع الجذور الفكرية للغرب ولمدارسه المتنوعة؛ لأن فلسفة الغرب كما يقول المكفر السوداني أبو القاسم حاج حمد رحمه الله، مبنية على الصراع الدائم -الإيجاد والعدم- هكذا باطراد، فهو لا يستسيغ واقعا بلا صراع؛ بل لا يتصور نموا وتطورا وتقدما، إلا في ظل صراع قائم دائم، ولذلك نلاحظ أن الغرب لا يريد للعالم أن يستقر، بسبب ما يُحْدِثُ من نزاعات، وتغذية الخلافات في العالم بين الشعوب والثقافات والفئات المذهبية والطائفية والعرقية، بما في ذلك مرحلة الحرب الباردة 1945/1988، التي تعد –حسب الخطاب السياسي- فترة تهدف إلا عالم بلا سلاح، ومع ذلك لم تخل من حروب ونزاعات يمثل فيها الغرب الصانع المستفيد.
وهذه الوجهة العدمية التي عبرت عنها المدرسة الوجودية بقولها “إن أرقى ما يصل إليه الإنسان في ممارسته للحرية هو أن ينتهي به المطاف إلى قاتل أو مقتول..”، هي التي جعلت من بعض مفكري الغرب يدقون ناقوس الخطر منذ أكثر من قرن من الزمان، فمنذ بداية القرن العشرين وحتى نهايته والكتابة لم تنقطع؛ بل كانت ولا زالت تتوالد مع الأزمات والحروب الكارثية التي تعرضت لها أوروبا وباقي العالم بأسره، وفي كل مرة كانت تخرج صيحات التحذير حول نهاية الحضارة الغربية وأفولها ، مثل كتاب الفيلسوف الألماني أزوالد شبنغلر المعنون بـ”تدهور الحضارة الغربية”، وكتاب “أزمة العالم المعاصر”، للأستاذ الرياضي روني غينون، وكتاب الطبيب الدكتور ألكسيس كاريل “الإنسان ذلك المجهول”.
وهذا التوجه الفكري بمخزونه الثقافي التوراتي، وما تبعه من تخوفات وشعور بالأخطار، لا شك أنه يصطدم مع توجهات التجربة الإنسانية التي تبناها هذا الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وقد كانت سببا في تقرير الكثير من القيم الإنسانية الراقية، مثل تقرير مصير الشعوب المستعمرة، وميثاق حقوق الإنسان، ونشأة المؤسسات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة واليونسكو…إلخ، والدعوة إلى الديمقراطية والحكم الراشد، والحفاظ الحريات العامة…إلخ، وقد استفاد منها الإنسان، سواء في داخل المجتمعات الغربية أو في خارجها، وهذا التوجه الأخير هو الذي تعلقت به الشعوب الغربية في كل مكان، حيث اعتبرته الأقرب إلى الفطرة البشرية، والمخرج الأفضل للأزمة الفكرية الثقافية التي يمر بها الغرب، مما جعل هذه الشعوب تدخل في صراع مع نخبها..، وما نشاهده من رفض أغلب شعوب المجتمع الغربي لسياسات اليمين المتطرف والإسلاموفوبيا، وللخطاب المعادي للعرب والمسلمين والسود، والاتجاه التخويفي من الهنود والصينيين، عبارة عن أزمة حقيقية للعلاقة بين النخب الصانعة للفكر والسياسات، وبين الشعوب التي وجدت راحتها في القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وضمان الحريات…، بينما مستوى الغرب الحضاري يفترض فيه انه بلغ مستوى يمنعه من الوقوع في مثل هذا التناقض..، مما يجعلنا نتساءل بجد.. ما حقيقة الأمر؟ هل هذه القيم التي يتمتع بها الغربي؛ بل وغير الغربي الذي يعيش في بلاد الغرب، حقيقة نابعة من طبيعة الثقافة الغربية؟ أم هي تجربة عارضة وليست من صميم منتوج الفكر الغربي؟
والمتصفح لثقافة الغرب يلاحظ أن هذه التجربة التي يتمتع بها المجتمع الغربي لا يريد لها الغرب –عمليا- أن تنتقل إلى خارج حدوده، رغم ادعائه تسويقها –خطابيا- في غير بلاده، بدليل أن التجربة وانعكاساتها الإيجابية، لم تتجاوز حدود البلاد الغربية، فحقوق الإنسان لا يتمتع بها من كان خارج الرقعة الغربية؛ بل لا يسمح بذلك إلا في حدود ضيقة جدا!!، والحريات لا تليق بمن كان في بلاد غير بلاد الغرب!!، وتقرير المصير الفعلي للشعوب لم ترتق إليه إلا شعوب الغرب!!، ولذلك لما تكفل الغرب بمعالجة قضايا شعوب أوروبا الشرقية، لم تكلفه ما كلف العالم مشكلات الشرق الأوسط عموما..، فحلت مشكلات أوروبا الشرقية، ولا يزال الشرق الأوسط بؤرة توتر دائمة تصنع فيها وبها سياسات العالم كلها.
فهذا هو لسان حال الغرب، وهذا هو واقعه بكل أسف.. فعندما نستمع للخطاب الغربي الداعم للشعوب في مطالبها الديمقراطية وحقوق الإنسان نشعر وكأن استقلال الشعوب قد تحقق بالفعل أو كاد، أو قربت هذه الشعوب من الوصول إلى ما تريد من الحريات والكرامة الإنسانية، ولكن بكل أسف نجد أن هذا الغرب نفسه الذي بدا لنا داعما للشعوب المستضعفة، هو أول معرقل لما يدعو إليه، سواء بدعمه للأنظمة الاستبدادية في العالم المتخلف، أو باستباحة ما يمنعه في بلاده، إذا كان خارجها…، مثل التعذيب والسجن لمدد طويلة بلا محاكمة، والتغاضي عن الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها الأنظمة الحليفة له ولأطرافه المختلفة في حق شعوبها..، فهو يلقي القبض على مُدَانِين في قضايا ما بالنسبة إليه، ولكنه عندما يحتاج إلى تعذيبهم لسبب ما.. فإنه لا يعذبهم في بلاده، وإنما يبحث لهم عن “بلد حليف من أعراب العالم الثالث” ليقوم له بالمهمة، كما فعل مع الكثير من عناصر القاعدة المقبوض عليهم في أفغانستان أو العراق؛ بل لماذا كان معسكر غواتنتانامو أصلا؟
وخطاب النظام الغربي ونخبه اليمينية المتطرفة، كما أسلفت، يبدو لي انه هو المتناغم مع طبيعة ثقافة الغرب الاستعماري، التي عبر عنها مالك بن نبي رحمه الله بمصطلح “الثقافة الجذبية”، أي الثقافة القاصرة على شعوب الغرب، وليست الثقافة المتعدية لغيرهم من الشعوب. وبحكم أن التيار الجارف للغرب اليوم، هو تفاعل الشعوب الغربية مع القيم الإنسانية المضادة لطبيعة الثقافة الغربية الاستعلائية، ومن الشواهد الحية على ذلك التضامن الشعبي الواسع مع الجاليات الإسلامية في أمريكا وكندا، بسبب ما تعرضت له من اعتداءات عنصرية هناك، وكذلك المواقف المضادة للرئيس الأمريكي الجديد، الذي قرر منع سبع جنسيات من دخول بلاده..، هذا الواقع يفرض على النخب الغربية الشعور بأنها في خطر، في حالة استمرار معارضة شعوبها لسياساتها، انطلاقا من هذا النهج التضامني مع المهاجرين والشعوب الأخرى المغايرة للثقافة الغربية، فكان التصعيد اليميني أفضل الوسائل من أجل “التعبئة الوطنية” وذلك ليس من أجل إثارة القلاقل؛ ولو أن الغرب طبق ما يطالب به اليمين المتطرف لسقطت أوروبا في رمشة عين؛ لأن حملة مستواها الديموغرافي والتنموي هم المهاجرون من العرب والمسلمين والأفارقة والهنود والصينيين، من شباب ويد عاملة وتخصصات علمية متنوعة..، وإنما كان الخطاب الذي بدا وكأنه إصرار على طرد المهاجرين من المسلمين والملونين..، هو في جوهره خطاب أجل تنمية الحس الوطني، الذي فقده الغربي وأذابه في قيم إنسانية عالية وسعت دائرة التسامح مع الشعوب بقدر شكل خطرا ثقافته وتميزه المستعلي على الآخرين.
ولكن ما تغفل عنه النخب الغربية، أن الشعوب الغربية كغيرها من الشعوب تنساق بفطرتها إلى ما يتناغم مع القيم الإنسانية، ولا تتجاوب إلا مع من يصدقها فيما يطرح من قيم تخدم الإنسان.. فشعوب الغرب في مجملها استوعبت ما تقرر من قيم بفضل النضال المجتمع المدني الإنساني بعد الحرب العالمية الثانية، وهو غير مستعد للارتداد عن تلك المكاسب، وهو الآن في مواجهة مكشوفة مع أنظمته ونخبه، وشعوب الغرب اليوم -في تقديري- في اتجاه الخروج عن أنظمتها، كما خرج حكامنا في العالم العربي والإسلامي على شعوبهم.
فإذا كان اليمين المتطرف في أمريكا وكندا وأوروبا الآن، يصعد خطابه لاستعداء الإسلام والمسلمين، بالتشويه والاتهام والغمز واللمز، بواسطة حملات إعلامية مركز، وفعل استخباراتي امني محكم، فإن رد الفعل الشعبي الغربي المعاكس هو الإقبال على الإسلام دراسة واكتشافا واعتناقا له، حتى أن الدبلوماسي الألماني المسلم مراد هوفمان يتوقع أن عودة الإسلام إلى العالم سوف تكون من أوروب، وعلى يد الأوروبيين؛ لأن النضج العقلي الذي يتمتع به الغربي اليوم يؤهله لإدراك مبادئ الإسلام ومقاصده.