لمّة المائدة.. آخر ما تبقى للأسرة من تواصل!
يؤكد مختصون وخبراء، أن التحوّل الكبير الذي تشهده الأسرة الجزائرية التي باتت أشبه بالعائلة الافتراضية، التي لا يجتمع أفرادها إلا على مائدة الطعام، يتطلب اغتنام هذا اللقاء “الوحيد” في تعزيز الحوار والتواصل بين الأولياء والأبناء، والتخلص من هوس العالم الافتراضي ومشاغل الحياة، التي شتتت أفراد الأسرة، الذين باتوا لا يعرفون شيئا على تفاصيل بعضهم البعض، حيث تظل المائدة أحد الروافد الصامدة للتربية أمام عاصفة التشرذم الأسري، حيث يجتمع الأبناء ليس للأكل فقط، وإنما لمعرفة مستجدات واهتمامات كل فرد.
آباء لا يعرفون أبناءهم حق المعرفة، ويصدمون بتصرفات ومآس بعد فوات الأوان، فكم من أب اكتشف مع مرور الأيام أن ابنه البار الوديع الخجول تحول إلى مشاغب ومدمن ومتورط، وفقد حياته، بسبب لعبة على الأنترنت.. وكم من أم استفاقت على انحراف ابنتها التي كانت منعزلة في البيت وقليلة الكلام، غير أنها نسجت شبكة من العلاقات الافتراضية مع “ذئاب بشرية”، استغلوا براءتها ا لتتحوّل إلى فتاة هاربة ومطاردة، إنها تبعيات الاغتراب الذي تعانيه العديد من الأسر التي تختصر مهمتها في توفير المأكل والمشرب لأبنائها، فالأم منشغلة في المطبخ والأب منهك في العمل أو مهووس في متابعة مقابلات كرة القدم، والأبناء تائهون في مغامرات السوشيال ميديا، فلا حديث بينهم ولا حوار أسري، وإنما “عالم افتراضي” يتحكم فيهم، حتى أصبحت الحياة صلبة جامدة، اختفت فيها معاني الود والرحمة والمحبة والدفء الأسري، حيث حلت “الأسرة الافتراضية” بديلا لـ”الأسرة الحقيقية” وأصبح أفراد الأسرة يقضون معظم يومهم على الإنترنت، يتصفحون لساعات طويلة “السوشيال ميديا”، لا يعرفون شيئا عن تفاصيل بعضهم البعض، وما جرى في اليوم مع الأبناء، وهنا تكمن أهمية مائدة الطعام التي تحولت إلى اللقاء الوحيد لدى أغلب الجزائريين الذين يجتمعون حوله عند نهاية اليوم، أين ينصح المختصون بضرورة اغتنام هذا اللقاء لتبادل الحوارات مع الأبناء عن شواغلهم والتزاماتهم العلمية والعائلية وعن معاناتهم وأحلامهم وطريقة تعاملهم مع الحياة، وهي الفرصة التي تمكن الأولياء من معرفة الشؤون اليومية لأبنائهم وحل مختلف المشاكل التي تواجههم وتعزيز الشعور بالانتماء الأسري وتقديم النصح ومن خلال جلوس أفراد الأسرة حول المائدة يتحقق التعارف الأسري في أسمى معانيه، حيث يتعرف الأطفال أكثر عن الأب والأم، وعن آرائهم المختلفة في شتى الموضوعات، وما يحبون وما يكرهون، وما يعتبرونه صوابًا، وما يعتبرونه خطأ، وأيضا يتعرف الأب والأم إلى آراء وأفكار الأطفال، وما يحبون وما يكرهون.
أطفالنا يكبرون بسرعة ويجب احتواؤهم
وفي هذا السياق، أكدت الأستاذة الجامعية في علم الاجتماع، جميلة شطيطح، في تصريح لجريدة “الشروق”، أن المجتمع الجزائري اليوم يعاني من ظاهرة الاغتراب الأسري، “إذ تحوّلنا من الأسرة النووية إلى الأسرة الافتراضية التي يعاني أفرادها من مشكل تواصل، بسبب هيمنة الأجهزة الإلكترونية على حياتهم اليومية، في حين ينغمس الأولياء، بحسبها، في متاعبهم اليومية لتأمين لقمة العيش وتأمين احتياجات الأبناء من تغذية ودروس خصوصية ورياضة وغيرها من الهوايات، غير أنهم يهملون الحوار الأسري الذي يبقى السبيل الوحيد لعلاج العديد من المشاكل، وتعتبر مائدة طعام الأسرة بحسبها فرصة عظيمة ليعرف أفراد الأسرة بعضهم بعضا، ويتعلموا كيف يجلسون معا للحوار، وهذا التقارب الذي سيشعرون به تجاه بعضهم سيقلّل، بشكل كبير، من حدوث الجدل والسلوك السيء في ما بينهم، وحتى وإن حدث خلاف بينهم، فإنهم يلتقون على الطعام، بما يصفي النفوس، ويقرب بين القلوب”.
وأضافت المختصة، أن هذا اللقاء يقلل من الحدة والتوتر، ويعلمهم مهارات التواصل الاجتماعي مع الآخرين، بالإضافة إلى تعليم الأفراد عادات غذائية صحية والعمل على حل مشكلاتهم، وتشكيل ذكريات مع الوالدين والإخوة.
الشعور بالانتماء الأسري يحمي من الانحراف
وأضافت الأستاذة جميلة شطيطح، أن التواصل السليم مع الأبناء خاصة في مرحلة المراهقة يحميهم من الوقوع في العديد من الأزمات والعقد النفسية، فالدقائق التي يستغلها الأولياء في الدردشة مع أبنائهم على مائدة الطعام وحتى مناسبات أخرى، على غرار الذهاب للتسوق أو المسجد أو التفسّح، يمكنهم من اكتشاف العديد من الصراعات النفسية التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية، وهنا يستعين الأبناء بتجربة وخبرة الأولياء للتغلب على هذه المصاعب، وممارسة الاحتواء الدائم مع الأطفال والمراهقين يشعرهم بالأمان العاطفي والانتماء الأسري الذي يعتبر حصن حصينا لضمان تنشئة اجتماعية سليمة.
وأشارت محدثتنا إلى أن وجود الأسرة شكل من أشكال الدعم النفسي والاجتماعي لأفرادها كافة، الصغار منهم والكبار، فإذا توافرت هذه العائلة فسيشعرون بالسعادة والرضا، حيث أن “لمة” العائلة تعود بالصحة النفسية على الإنسان، وأضافت، أن الأسرة تمثل للطفل القدوة والاستقرار والأمن والطمأنينة، وأن الطفل عندما يرى الإخوة الكبار معا يشعر بالاستقرار الأمني والطمأنينة، ويتعلم الكثير من القيم المتعلقة بآداب الحديث، وأدب الحوار والمأكل والمشرب، وغيرها من الأخلاق العامة.
وأشار مصدرنا، إلى أن القيم التي تترسّخ في الطفل من “لمة” العائلة لا يمكن أن يتعلمها من أي جهة أخرى، ولابد له من أسرة تنقل له هذه القيم التي لن يتعلمها من إعلام ولا في مدرسة أو مسجد أو أي مكان آخر، حيث أن “اللمة” العائلة معا له انعكاسات وتأثيرات إيجابية، لذلك، يجب أن يحرص الآباء على تجمع الأسرة معا، ويجب أن يكون مصحوبا بأساس جيّد من العلاقات والأخلاقيات داخل نطاق الأسرة، وأن تكون هذه “اللمة” ذات مضمون أخلاقي وديني وتربوي.
هكذا يعبّر الأبناء عن مشاكلهم وطموحاتهم
ومن جهته، أكد الأستاذ محمد فليسي، مختص في الاستشارات النفسية والعائلية، أن الأسرة الجزائرية اليوم لم يتبق لها سوى الاجتماع على مائدة الطعام، فأفرادها طوال اليوم منشغلون ومتفرقون، ما يجعل الالتقاء أمرا مهما جدا للأولياء، لمعرفة ما يدور في نفوس أطفالهم، فيمكن للأب، حسبه، أن يكتشف دواخل ابنه من خلال النظرات وطريقة الحديث والانفعالات والحركات، كما يمكن أن تحكي البنت بطريقة عفوية عما صادفها طوال اليوم في المدرسة وما تعلمته من قريناتها وهو ما يمكّن الأولياء من تعديل سلوكيات أبنائهم.
وأضاف فليسي، أن عدم تخصيص وقت لاجتماع يومي للأسرة ولو لبضع دقائق على مائدة الطعام أو غيرها يجعل الأسرة متفرقة ومتشرذمة ولا يمكنها من ممارسة التوجيه والنصح والتربية إلا بالإنصات للأبناء ومرافقتهم والحديث إليهم، ومع تعذر اجتماع الأفراد طوال اليوم بسبب الدراسة والعمل والمطبخ والأنترنت يجعل من التجمع على المائدة لتناول وجبة العشاء أضعف ما يمكن أن يمنح للأسرة من تواصل ولقاء يجب عدم التفريط فيه واستغلاله لأبعد الحدود.