لنقرأ بسرعة خاتمة الكتاب
يُفترض أن الجزائر اليوم في مفترق الطرق بالنظر إلى الخيارات الكبرى المطروحة أمامها، بخاصة في الجانب السياسي: إما أن توضع على أفضل سكة للتّقدم والازدهار والأمل، أو توضع على أسوإ سكة للتخلف والصراع واليأس.. أو تُمنع مرة أخرى من الاختيار فتبقى بين البديلين، لا هي تموت ولا هي تحيى، وتُضيّع زمنا آخر ثمينا لكل جزائري أو جزائرية ينتظر حُلما يحققه أو أُمنية تتحول إلى واقع لديه، من شغل أو سكن، أو إحساس ببعض السعادة ولو لبعض الوقت في ما يعيش من جزئيات الحياة.
لست أدري لِمَ أشعر بأننا على وشك أن نختار البديل الأول ونضع حدا لمرحلة أوشكت على النهاية، رغم كل المؤشرات الدالة أحيانا أن لا شيء سيتغير في الأفق، وأن استمرار الوضع القائم هو السيناريو الأرجح، وأن الناس سيُضطرون إلى القبول مرة أخرى بمرحلة انتظار جديدة قبل أن تحين ساعة الفرج…
لست أدري لِم أشعر بأن التغييرات الحاصلة في أعلى هرم السلطة ليست أبدا مؤشرا على مزيد من التحكم في دواليب الدولة وعلى مزيد من منع توزيع القرار على مستويات أدنى ليصبح أكثر ديمقراطية وعدالة، بل هي بداية نهاية لمرحلة استنفدت كل طاقتها وليس أمامها سوى الاضمحلال.
كل المؤشرات التي أمامي تدل على ذلك، طبيعة القرارات ونوعيتها وطريقة إعلانها وتنفيذها وردود فعل الناس عنها وصداها على المستوى الدولي تؤكد ذلك. تؤكد أننا بالضرورة بدأنا نقرأ في خاتمة مرحلة تاريخية عشناها، وسنشرع في قراءة مقدمة الجزء الثاني.
فقط هي المقدرة على فهم طبيعة هذا الجزء الثاني التي تنقصنا.
هذا الجزء الثاني لا يمكنه أن يقوم على فكرة النفاق السياسي بين الحاكم الذي يعرف أنه ليس منتخبا والشعب الذي يعرف أنه لم ينتخب حاكمه ويتعايشان، ولا يمكنه أن يقوم على فكرة الشرعية الثورية وحدها، ولا يمكنه أن يقوم على فكرة الأمن أولى من العدالة والجوع، ولا يمكنه أن يقوم على فكرة وجود قوى خفية (غول) لا يُقهر يخافه كل الناس، ولا يمكن أن يقوم على فكرة الزعيم الأبوي الذي يحبه ويحترمه الكل… ولا يمكن أن يقوم على فكرة السياسي المشاغب الذي لا يصمت ليل نهار، ولا على فكرة السياسي الذي يرفع شعار الدين هو الحل، ولا على فكرة الجهوي الذي يزعم أن الشرق أكبر من الغرب أو الشمال أعلى من الجنوب..
هذا الجزء لا يمكن أن يقرأ من خلال كل هذه الأدوات، لذا تجد من لا يريدونه أن يبدأ، بدونها، يسعون إلى تمديد الخاتمة قدر المستطاع.. والكل يعلم أن أسوأ أنواع النهايات هي عندما تطول خاتمتها، فلا نبقي أنفسنا ضمن سيناريو لا نموت فيه ولا نحيى ولننتقل إلى فصل الأمل.. ولنقرأ بسرعة خاتمة الجزء الأول من الكتاب.