لهذه الأسباب يحاول اليمين المتطرف الانتقام من الجزائر
تشكّل القراءة التاريخية التي قدمها المؤرخ الفرنسي والجزائري المولد، بنجامان ستورا، بشأن “هاجس الجزائر” لدى اليمين المتطرف الفرنسي، الأكثر موضوعية وقبولا بالنظر لحضور الرجل القوي في مشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية وارتباطاتها بالماضي الاستعماري وتخصصه اللافت فيها.
يقول بنجامان ستورا إن “ميلاد الجبهة الوطنية الفرنسية في سنة 1972، مستلهم من حدثين منفصلين، الأول هو “حكومة فيشي” (التي نصّبها الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية على فرنسا)، و”حرب الجزائر”، وهو يشير هنا إلى الثورة التحريرية (1954/ 1962).
وتقوم إيديولوجية اليمين الفرنسي المتطرف، والذي يمثله سياسيا حزب “الجبهة الوطنية” سابقا، “والتجمع الوطني” حاليا، على نوستالجيا (حلم) امبراطورية استعمارية قائمة على التمييز والطبقية، مبنية على شكل هرم، في القمة يوجد الفرنسيون، وفي القاعدة توجد الشعوب الأخرى الواقعة تحت السيطرة، السكان الأصليين بالنسبة للجزائر، وهذا ما يسميه المؤرخ الضليع في تاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر “التمييز العنصري الكولونيالي”.
وجاء توصيف المؤرخ بنجامان ستورا لإيديولوجية اليمين المتطرف في تسجيل فيديو للقناة التركية “تي آر تي” الناطقة بالفرنسية، استعرض من خلاله صيرورة الفكر اليميني المتطرف في فرنسا، والذي أصبح مع مرور الوقت بمثابة “إرث تاريخي لم يلبث أن تم تحويله تدريجيا إلى النسيج الداخلي للمجتمع الفرنسي”.
وتبنى هذه الإيديولوجية، حسب ستورا، على ما أسماها “عظمة الإمبراطورية المتفككة”، وهو الحلم الضائع الذي تشرّبه وتبناه بعض المثقفين والفلاسفة الفرنسيين، الذين عادة ما يسمونه “الزمن السالف”، أي المرحلة التي كانت فيها فرنسا إمبراطورية مترامية الأطراف، تمتد حدودها إلى كل من تونس ومالي وموريتانيا.
وخلال هذا “الزمن السالف”، يقول المؤرخ بنجامان ستورا، “لم تكن الجزائر مجرد مستعمرة، لقد كانت شيئا عظيما، الجزائر الفرنسية تساوي فرنسا خمس مرات، لم تكن شيئا عاديا. كانت جزءا من فرنسا، وبالنسبة لرموز اليمين المتطرف، فإنهم يحنون إلى ذلك الوقت الذي كان يرمز إلى عظمة فرنسا التي افتقدت، وتمت خيانتها”.
وعندما يتحدث اليمين المتطرف عن الخيانة في “مأساة الجزائر الفرنسية”، فهم يقصدون شخصا واحدا لا غير، وهو الجنرال شارل دي غول، الذي يبقى برأيهم هو من فرط في هذا الحلم، بقبوله الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع ممثلي الحكومة الجزائرية المؤقتة، التي أفضت كما هو معلوم إلى الاستقلال، ويسميه اليمين المتطرف “الانفصال”، لكنهم يرفضون التسليم بأن الجنرال دي غول، الذي جاءوا به إلى سدة الحكم في سنة 1958 على أنقاض الجمهورية الفرنسية الرابعة التي سقطت تحت ضربات الثورة التحريرية، جرب كل الحلول، بداية بالقوة المفرطة قبل أن يقتنع بأن لا حل خارج دائرة المفاوضات.
وانطلاقا من هذه الفلسفة الموغلة في التطرف، يوهم حزب لوبان أنصاره وعموم الفرنسيين، بأنه بإمكان برنامجه السياسي “استعادة العظمة الفرنسية المفقودة، وعدم التسامح مع من تسببوا في هذه الخسارة لعظمة فرنسا، أما المتسببون في ذلك، فهم الجزائريون الذين رفضوا الاستعمار الفرنسي وطردوه، ومن ثم يجب التعامل معهم على أنهم مهاجرون ليس كغيرهم من المهاجرين الأوروبيين، الأسبان والايطاليين والبرتغاليين، بل ليس حتى كجيرانهم من التونسيين والمغربيين، لأن الجزائريين يوجدون في قلب هذه الإشكالية، عكس كل من تونس والمغرب اللتان لم تكونا جزءا من التراب الفرنسي بل كانتا مجرد محميتين، أما “الجزائر فكانت جزءا من أقاليم ما وراء البحار”، كما تصطلح عليها الإدارة الفرنسية.
وانطلاقا من هذا الفكر المتطرف، الذي يجعل من الجزائريين دون سواهم، سبب مآسي الفرنسيين وسببا مباشرا لانهيار حلم الإمبراطورية الفرنسية، يسعى اليمين المتطرف في فرنسا جاهدا، حسب المؤرخ، لمراجعة اتفاقية 1968 المتعلقة بالهجرة، التي فقدت الكثير من جوهريتها خلال المراجعات السابقة، وهو المطلب الذي لا يعدو أن يكون مجرد انتقام من الجزائر، وما العلاقات الجيدة بين هذا التيار والنظام المغربي مثلا، إلا صورة من صور محاولات الإضرار بالجزائر بكل السبل.