ليس كل ما يلمع ذهبا..
لقد تكثف الحضور السياسي الأمريكي المباشر خلال الأسابيع القليلة الماضية في منطقتنا العربية وجوارها بشكل يبدو لافتا، وكأن هناك شيئا خلف الستار، لم يعد الأمر مقتصرا على مبعوثين من وزارة الخارجية، بل قد شمل أعلى المستويات: من زيارة الرئيس أوباما التي بدأت يوم 20/03/2013 وشملت دولة الاحتلال ثم رام الله والعاصمة الأردنية.. كان حريصا في زيارته هذه على “تأكيد التحالف الأبدي مع إسرائيل” ومطالبة القيادة الفلسطينية بالإقرار بيهودية دولة الاحتلال، مشيرا إلى باقي عناوين الموقف الأمريكي من كافة القضايا تبعا للرؤية الأمريكية الإسرائيلية: من حق العودة للاجئين الفلسطينيين، القدس، الأسرى، الدولة الفلسطينية سواء من حيث طبيعتها ووظيفتها المحددة في توفير الأمن للاحتلال أو من حيث إطارها الجغرافي، والاستيطان.. الخ وكالعادة كان محور زيارته محاولة توفير الدعم لإسرائيل في تلك القضايا، وهو موقف يتناقض مع الحد الأدنى من الحقوق الوطنية لشعب فلسطين..
في هذه المجال قد أشار تقرير مركز الإحصاء الفلسطيني الذي صدر بمناسبة يوم الأرض 30/03/2013 أن دولة الاحتلال الاستعماري باتت تسيطر على أكثر من 85 بالمائة من أرض فلسطين التاريخية، والجزء الأخر يخضع في أهم مناطقه للسياسة الإسرائيلية من زاوية تواصل البناء الاستيطاني..
إلى الزيارة الأخيرة لوزير خارجيته جون كيري الذي صرح من أنقرة يوم 07/04/2013 قائلا: “بأن تركيا شريك أساسي في عملية السلام” هذا التقييم الجديد لدور تركيا لم يصدر إلا بعد: 1- الدور المقرر لأنقرة في صناعة الأزمة السورية وفي إدارتها بكل أبعادها الدموية والسياسية , 2- الدور التركي المرتقب في الملف الإيراني، 3– ما تقوم به أنقرة اتجاه الوضع الفلسطيني مع محاولتها صناعة موقف متوازن بين فريقي الاختلاف لكنها تميل نحو حركة حماس وفقا لحسبة سياسية محددة.
ضمن ذلك سعت الإدارة الأمريكية إلى تفكيك بعض المنغصات في العلاقة التركية الإسرائيلية من أجل توفير التناغم في مواقفها اتجاه كافة تلك الملفات، تحت سقف الرؤية الأمريكية وتقاطع المصالح، هذا المحور سيكون له الأولوية في تنفيذ المخطط والمشاركة به، أما باقي الأطراف أو الحلقات الهشة مثل بعض “الدول” فهي لا تبعد عن دائرة التبعية وتلقي الرسائل من البيت الأبيض لتنفيذها اتجاه المحطات أو الأحداث أو المؤتمرات التي تحدث في المنطقة.
لقد طرحت القيادة القطرية على مؤتمر القمة العربية الذي استضافته يوم 26/03/2013 وعلى عجالة من أمر المؤتمر بعد الانتهاء من إقرار متطلبات “إسقاط النظام السوري” وفقا لأهداف ورغبات المتحالفين تحت هذا الشعار، مشروع قرارين حول الوضع الفلسطيني جرى تبنيهما: الأول يدعو لعقد قمة عربية مصغرة من أجل إتمام المصالحة الفلسطينية الداخلية.. والثاني ينص على فتح صندوق بمليار دولار من أجل دعم مدينة القدس، مع تسجيل استعداد قطر لدفع ربع المبلغ.
مرة أخرى وأخرى، نشير إلى أنه لا يستطيع أي فلسطيني وطني، سواء كان في الداخل في مكونات فلسطين التاريخية تحت الاحتلال وسياسته القمعية أو في الخارج ومعاناته المتعددة، إلا ويقدّر ويشكر أي مبادرة صادقة وجادة تهدف إلى تعزيز صمود شعبه وصمود أهل القدس العاصمة الأبدية لفلسطين، أو المساعدة الصافية لاستعادة وحدة قواه، في هذا السياق ومن أجل المساهمة في التوضيح نسجل النقاط التالية:
1- لقد سبق وأن اتخذت القمم العربية في دوراتها السابقة قرارات متعددة خاصة بدعم شعب فلسطين تحت عناوين مختلفة، لكن هناك شكوى دائمة من الوضع الفلسطيني حول عدم الالتزام بتنفيذ هذه القرارات باستثناء بلدان محددة، بالتالي ليس المهم اتخاذ قرارات قد تصنع ضجيج إعلامي بل المهم تحقيق تلك الوعود. ضمن هذه الصورة هناك منحى يفضل البعض دخوله، ملخصه استخدام المال تحت يافطة الدعم من أجل استدراج اتجاه معين إلى مربع سياسي لن يكون بعيدا في نهاية طريقه عما تسعى إليه الإدارة الأمريكية، أي هناك فرق بين “المال” الذي يكون من أجل المساندة الحقيقية للنضال الوطني، وذلك المال من أجل الترويض السياسي، أو “المال” الغير موجود إلا في الخطاب السياسي الإعلامي الموجه للشارع العربي.
2- إن الدعوة للمصالحة الفلسطينية الداخلية لا تستدعي عقد قمة عربية مصغرة أو غيره، قبل ذلك يكون المطلوب تهذيب المواقف، بعدم تشجيع طرف على آخر وثانيا رفع الضغط السياسي وإيقاف العلاقات الاقتصادية والأشكال الأخرى للتعامل مع دولة الاحتلال، من جانب آخر فإن الوضع الفلسطيني بكل مكوناته ليس قاصرا فهو صاحب مسيرة تحررية مكتظة بالشهداء والأسرى والجرحى والمعاناة، بالتالي فهو قادر على فرز القمح من الزوان، وهو أيضا في ذهن المواطن العربي القادر على حل مشاكله مع شيء من المساعدة العربية، ورفع اليد عن الاستثمار السياسي في الحقل الفلسطيني.
3- لقد رسّمت قمة الدوحة دعم المعارضة بالسلاح عبر قرارات واضحة مع العلم أن هذا الدعم ساري المفعول مع بداية الأزمة السورية من قبل عدة عواصم عربية لم تعد خافية على أحد، لكن تعدد المعايير يطرح العديد من الأسئلة لأن ذلك يتم في وقت لا يزال الحصار يطوق رجال المقاومة الفلسطينية من كافة الجوانب، لماذا لم يصار إلى اتخاذ قرار مماثل لقرار دعم المعارضة السورية بالسلاح، بالرغم من أن الفرق واسع بين الوضعين، فمن جانب هناك قضية داخلية سورية وقتال داخلي ضمن شعب عربي واحد ودولة عضو في المؤسسات العربية، ومن جانب آخر هناك قضية تحرر وطني في مواجهة كيان استعماري اقتلاعي، لماذا تتسابق الجهود لدعم طرف في القتال الداخلي بدلا من توفير مناخات الحل السياسي العادل وتحقيق أهداف الشعب السوري بشكل ديمقراطي سلمي. لقد تكرر هذا المشهد في المشكلة الليبية، وهو يعبّر بطبيعة الحال عن واقع عربي رسمي متردي في محصلة قراره كما تسطره جامعة الدول العربية. يا سادة، إن الأمر لم يعد يتصل بوضع هذا النظام أو ذاك، بل نحن أمام قرارات وممارسات استعمارية بوجهة تدمير متوالي لعدد من البلدان العربية، ثم البدء بعملية نهب وسيطرة شاملة بعناوين جديدة ومختلفة، إن دخول البعض العربي في هذه المعادلة ليس له علاقة بالنخوة أو الشهامة العربية، بل إنها التبعية الذيلية لمخطط أمركة المنطقة العربية، وإلا فأين هذه النخوة من الحروب الدموية التي يتعرض لها قطاع غزة.
4- إن قرار عقد القمة المصغرة له أكثر من قراءة من جوانب محددة: الأولى تعبر عن موقف إيجابي وصادق لدى بعض القادة العرب الذين يريدون طيّ ملف الانقسام وتداعياته الضارة على النضال التحرري الفلسطيني وعلى العلاقات الفلسطينية العربية، والثانية لها صلة بخلفية وأهداف البعض الذي يسعى إلى ترسيم الانقسام وتشريعه عربيا، بمعنى آخر: توزيع أو تقسيم التمثيل الفلسطيني الرسمي على أكثر من جهة في هذه المرحلة، بالتالي لن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية بذات الصفة المقرّة عربيا، وبشكل أوضح يقسّم التمثيل بين حماس والمنظمة، اتصالا بذلك لن يكون هذا المسعى في حالة نجاحه حبا أو تقديرا لحركة حماس ونضالها، بل يعتبر توطئة لمواصلة استدراجها إلى المربع السياسي الذي يتمركز به أصحاب المقترح، وربما يتناغم الأمر مع المسار الجديد الذي بدأت الحركة تشق مجراه وملخصه: التكيف أو التأقلم مع المناخات الإقليمية ثم الدولية إلى حد ما، وهو أخذ في التبلور بعد قرار التفرد في “حكم” قطاع غزة وما رافقه، وما يزال، من أقاويل وتصريحات.. ولا نظن أن هذه “الخط” الجديد قد فرضته العوامل الموضوعية فقط، وربما كانت الخرجة الإعلامية للسيد صائب عريقات “أبرز المفاوضين الفلسطينيين” بعد قرار القمة مباشرة وفي أرض القرار بقوله أن كافة الفصائل الفلسطينية يفترض حضورها لهذه القمة، تفسيرا فلسطينيا لهذه القرار. من جانب ذي صلة، لا زالت المؤسسات المصرية المعنية بمتابعة هذا الملف تقوم بدورها بشكل إيجابي، لكن المشكلة تبقى فلسطينية مع تلمّس نوع من التأثيرات الخارجية بخلفيات متعددة. ثم: هل هناك تخوف بالساحة الفلسطينية ولدى القيادة على وجه التحديد من “السابقة” التي سجلها قرار القمة بملىء الكرسي السوري الشاغر ومنحه للمعارضة، فالكرسي الشاغر كان أيضا بقرار من الجامعة العربية. إن نجاح البترودولار والسياسية الأمريكية في تحويل مركز القرار العربي بشكل اصطناعي من العواصم ذات الثقل التاريخي إلى مواقع التبعية للقرار الأمريكي في منطقتنا العربية، لا يعني أنه نجاح نهائي ولا يعني أن مفتاح المنطقة قد أصبح في جيوب هؤلاء، لأن الشارع العربي في هبّاته التي قام بها في أكثر من مكان قد أعطى الجواب حول الوجهة النهائية للحدث.