ما الذي يخفيه الغرب عن الشرق؟
ليس ما يجري في غزة حدثاً معزولاً في تاريخ العنف السياسي، ولا يمكن فهمه بوصفه “انفجاراً ظرفياً” في نزاع مزمن. إنّه، في جوهره، حلقة في سلسلةٍ أطول من علاقات الهيمنة بين الغرب والشرق، تتبدّل أدواتها وتستبقي منطقها. والفرق الوحيد بين الأمس واليوم هو أنّ الغرب لم يعد يخوض حروبه بيديه، بل بات يُديرها، يموّلها، ويُضفي عليها شرعية لغوية وقانونية، بينما يتولّى غيره التنفيذ.
هذه ليست قراءة انفعالية، بل توصيفٌ بنيويٌّ لمسارٍ تاريخيٍّ متصل. وما يقدّمه فكر مالك بن نبي هنا ليس إسقاطاً تعسفياً، بل إطاراً تحليلياً يفسّر كيف تُدار الجريمة حين تتحوّل إلى نظام، وكيف يُمحى الإنسان لا بالقنابل وحدها، بل بالمعنى.
الاستعمار كمنظومة لا كحادثة
في كتابه «شروط النهضة» (دار الفكر، دمشق، طبعات متعددة منذ خمسينيات القرن الماضي)، يضع بن نبي قاعدة فكرية مفصلية حين يقول: “إنّ الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم وحدها، بل هو قبل ذلك نتيجة قابليةٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ تمكّن له في أرضٍ ما”.
هذه العبارة لا تُبرّئ المستعمِر، بل تُدين منطق الاستعمار باعتباره منظومة مركّبة: قوّة مادية من جهة، وبيئة دولية وفكرية تسمح له بالاستمرار من جهة أخرى. ولو أسقطنا هذا التحليل على غزة اليوم، لفهمنا لماذا لا تكفي الإدانة الأخلاقية العابرة، ولماذا تستمر آلة القتل بلا كلفة سياسية حقيقية.
فالإبادة، حين تصبح ممكنة ومحمية، لا تحتاج إلى جنونٍ لحظي، بل إلى تواطؤ منظم: تواطؤ السلاح، والمال، والدبلوماسية، والأهم… اللغة.
مراقبة الأفكار: حين تُدار الحقيقة
في كتابه «الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة» (دار الفكر)، يشرح بن نبي كيف يعمل الاستعمار الحديث عبر ما سمّاه “مراقبة الأفكار”. فالهيمنة، في نظره، لا تُمارَس فقط بإخضاع الأرض، بل بتوجيه الوعي، وتحديد ما يجوز التفكير فيه، وما يُعدّ “مقبولاً” في النقاش العام.
يكتب بن نبي، في سياق حديثه عن الاستعمار الجديد: “إنّ أخطر ما في الاستعمار ليس ما يأخذه من الأرض، بل ما يزرعه في العقول من مفاهيم تُفرغ المقاومة من معناها”.
وهنا يتجلّى التشابه الصارخ مع ما يحدث اليوم في الخطاب الغربي حول غزة: الوقائع تُختزل في “سياق”.
الضحايا يُعاد تعريفهم كـ“أرقام متنازع عليها”.
والجريمة تُذاب في جدلٍ لغويٍّ لا ينتهي.
ليست هذه فوضى خطابية، بل إدارة واعية للسردية، تجعل الإبادة قابلة للتسويق بوصفها “ضرورة أمنية”، وتُفرغ القانون الدولي من مضمونه دون الحاجة إلى إنكاره صراحة.
من الحروب الصليبية إلى التفويض الأخلاقي
في كتابه «وجهة العالم الإسلامي»، يتحدّث بن نبي عن العلاقة التاريخية بين الغرب والعالم الإسلامي باعتبارها علاقة صراع حضاري طويل، لا يتوقّف عند حدود الدين، بل يتجاوزها إلى من يملك تعريف القيم والمعايير. وما يلفت في تحليله أنّه لا يرى الغرب ككتلة أخلاقية متجانسة، بل كقوة تُعيد تعريف مفاهيمها وفق مصلحتها.
اليوم، لم تعد أوروبا قادرة — ولا راغبة — في خوض حروب إبادة مباشرة. ليس لأن ضميرها استيقظ، بل لأن كلفة الصورة باتت مرتفعة. فاختارت طريقاً أكثر “نظافة”: تفويض العنف.
إسرائيل، في هذا السياق، لا تعمل خارج المنظومة الغربية، بل في قلبها. إنها الذراع المتقدمة التي تنفّذ ما لا يريد الغرب أن يُنسب إليه مباشرة، بينما يحتفظ لنفسه بحق الوعظ، والتحذير، والتعبير عن “القلق العميق”.
الإبادة حين تُدار بالقانون
في «مشكلة الثقافة»، ينبّه بن نبي إلى خطورة أن تتحوّل القيم إلى أدوات تقنية، تُستخدم بلا مضمون أخلاقي. وهذا ما نراه اليوم بوضوح:
القانون الدولي حاضر شكلاً، غائب فعلاً.
المواثيق تُستدعى للانتقائية، لا للحماية.
وحقوق الإنسان تُقاس بهوية الضحية لا بإنسانيتها.
إن توصيف ما يجري في غزة على أنّه إبادة ليس مبالغة لغوية، بل توصيف أخلاقي وسياسي لمسارٍ يُفكّك شروط الحياة نفسها: الغذاء، الماء، العلاج، الأمان، والذاكرة. وحين تُستهدف هذه العناصر مجتمعة، وباستمرارية، وتحت حماية دولية، نكون أمام جريمة لا تُغسَل بمصطلح “النزاع”.
إسرائيل لا تعمل وحدها
هذه خلاصة لا تحتمل التجميل:
إسرائيل لا تعمل وحدها.
تعمل ضمن نظامٍ دوليٍّ يوفّر لها الغطاء، ويؤمّن لها الإفلات، ويُعيد صياغة الجريمة بلغةٍ مقبولة للرأي العام الغربي.
ولو كان مالك بن نبي بيننا اليوم، لقال — بروح نصوصه لا بحرفها — إنّ أخطر ما نواجهه ليس القنبلة، بل العالم الذي تعلّم كيف يتعايش مع القنبلة دون أن تهتزّ قيمه المعلنة.
إن معركة غزة ليست فقط معركة أرض، بل معركة معنى. ومعركة المعنى، كما علّمنا بن نبي، هي التي تُحدّد إن كان التاريخ سيتذكّر الضحية، أم سيُسجّل الجريمة باعتبارها “ضرورة”.