-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما تفعل.. لا ما تقول

ما تفعل.. لا ما تقول

الفضيلة أن تقول ما تفعل، والمقت أن تقول ما لا تفعل، وهو مقتٌ عند الله وعند خلقه، فإذا اتّصف بهذه الرذيلة من استُؤمن على مصالح الناس كانت عاقبة عيشه ضنكا، وانحطاطا أخلاقيا، وتخلّفا سياسيا وترهلا اجتماعيا.
وقد أصبح معلوما لدى عامة الناس أنّ البلاد تحتاج إلى حزم عادل، ورأي راشد، ورؤية واضحة، وكفاءة أمينة، وتطليق بالثلاث للشعارات الجوفاء، والتغنّي بالوطنية الكاذبة والاستغلال الرخيص لدكاكين الوطنوية والديمقراطوية والإسلاماوية.
الوطن اليوم بأمسّ الحاجة إلى رؤية واضحة محددة المعالم والأهداف، وتأطير كفؤ أمين وقادر على أن يحقق أهدافها بجدية وعزم وحزم والتزام واع وعادل بعيدا عن المزايدة مرّة بالتزهيد في العمل السياسي واللجوء إلى حركة المجتمع المدني، ومرة باستنزاف مآثر التاريخ للتغطية على نقص الكفاءة في الأداء أو انعدامها.
إنّ معالجة واقعنا أصبحت اليوم أولوية الأولويات نظرا للتغييرات الحاصلة والمنتظرة في عالم اليوم. نحن مقبلون على زمن لا مكان فيه إلّا للقادرين على فرض وجودهم، ونحن والحمد لله نملك من عناصر فرض أنفسنا ما لا يملكه غيرُنا، وبذلك تكون مسؤوليتنا التاريخية أمام الله والشعب أكبر.
وما لم تتوفر هذه الشروط والصّفات، فإنّ الباب يشرع أمام الكائدين والحاقدين والمتآمرين وكذا المتزلفين ليتصدّروا المشهد ويعفّنوا الوضع بإفساد الرأي العامّ باسم “صناعة الرأي” و”نشر الوعي”، وهم تحت هذا الغطاء ينفِّذون سمومهم في عقول العامّة ويصلون إلى إيغال صدورهم ضد وطنهم وشعبهم وهم يحسبون أنهم مُحقّون ومظلومون وضحايا عجز واستبداد وغطرسة من يتولى شؤون البلاد العامة، وبهذا النشاط الشيطاني يؤلّبون العامة ويدفعون إلى عدم الاستقرار تحت شعارات برّاقة كاذبة كالحرية، والعيش الكريم، وشرعية القرار الشعبي والتمكين لإرادة المواطن.
عرفتُ بعض هؤلاء المفسدين عن قرب، كما تابعتُ بعضهم من خلال السموم التي ينشرونها يوميا تقريبا على وسائل التواصل الحديثة والتي بها يحققون هدفين رخيصين: الارتزاق والإفساد في الأرض.
منهم من يتَّكئ على المرجعية التاريخية، ولو حُكِّمت فيهم قواعد هذه المرجعية لكانت عاقبتهم كعاقبة “الڨومية”، ومنهم من يستند إلى المرجعية الإسلامية ولا حظّ له ولا زاد من كتاب الله وسنة رسوله، وهو أبعد ما يكون عن معرفة أصول الشريعة مقاصدَ وفِقها ورغم ذلك لا يستحي من حشر أنفه فيما لا علم له به، والأدهى من ذلك أن يُنصِّب نفسه معلّما ومرشدا ولا يُعرَف من ماضيه علمٌ ولا نضال طيلة حياته داخل التراب الوطني.

عرفتُ بعض هؤلاء المفسدين عن قرب، كما تابعتُ بعضهم من خلال السموم التي ينشرونها يوميا تقريبا على وسائل التواصل الحديثة والتي بها يحققون هدفين رخيصين: الارتزاق والإفساد في الأرض.
منهم من يتَّكئ على المرجعية التاريخية، ولو حُكِّمت فيهم قواعد هذه المرجعية لكانت عاقبتهم كعاقبة “الڨومية”، ومنهم من يستند إلى المرجعية الإسلامية ولا حظّ له ولا زاد من كتاب الله وسنة رسوله، وهو أبعد ما يكون عن معرفة أصول الشريعة.

إنّ مثل هؤلاء الذين يتقاطر كلامُهم حقدا وتتأسَّس قناعاتُهم على أهوائهم يعتقدون أنهم مرجعية لغيرهم ولا يعلمون أن رصيدهم لا يؤهِّلهم لتصدُّر مواقع النصح والإصلاح.
للإصلاح شروط ومواصفات لا يملك أمثال هؤلاء منها حظا ولا نصيبا. ومن هذه المواصفات: التّمكن العلمي كسبا، ثم تعليما، واجتهادا، وبحثا، ولا يُعرَف لهؤلاء شيءٌ من هذا كله.
ومنها أيضا القدوة، إذ يكون هؤلاء مثالا لمن يدعونهم، فيُضحّون بأوقاتهم وأموالهم وأنفسهم في سبيل إصلاح غيرهم، إذ يتميزون بلين الجانب، وعذوبة الخطاب، والصَّبر على المُخالِف، والبُعد عن السب والشتم وإساءة الظن والطعن في أعراض الناس وتتبُّع عوراتهم بل واتهامهم زورا وبهتانا لا لشيء إلّا لأنهم لا يوافقونهم فيما يطرحون ولا يشاطرونهم مقارباتهم.
قال العرب قديما (قتلت أرضٌ جاهلها)، وقد اختار أغلب هؤلاء أرضا لا علم لهم بتضاريسها ومناخها، وراحوا يهيمون فيها على وجوههم وينشرون فيها الفساد. ولمّا كانت ألسنتُهم أطول من أذرعهم راحوا يزرعون بها الكراهية بين الناس (وهل يكبّ الناسَ في نار جهنم إلّا حصائدُ ألسنتهم). لقد امتهنوا النّيْل من كل إنسان لا يوافقهم، فإذا كان معارضُهم مؤثرا في المجتمع بعلم أو منصب هاج حقدُهم، فاستباحوا عِرضه، واسترخصوا حياته الخاصة، بل وصل بهم الأمر إلى تأسيس قاعدة فحواها أنَّ أيَّ مؤثّر مخالف لهم لا يمكن إلّا أن يكون فاسدا ماديا وأخلاقيا، واعتبروا هذا الحُكم قطعيًّا حائزا على حُجّيّة الأمر المقضي فيه في محاكم التفتيش التي أقاموها حيث يقيمون تحت رعاية وحماية ونفقة الأعداء التاريخيين للوطن والأمة.
هناك قولٌ مأثور للشيخ الغزالي رحمه الله (ليس من الضروري أن تكون عميلا لتخدم عدوَّك، يكفيك أن تكون غبيًّا). إنّ من يدّعي الحرية والعدل لا يمكن أن يمتهن الكذب البواح، كما أنّ من يدّعي الصلاح والإصلاح لا يمكن أن ينتهج أسلوب السب والشتم والتشهير بالمُخالف لأنّ المُصلِح محبّ، والمحبُّ لا ينشر الكراهية.
ولا يمكن لمن يدّعي خدمة الوعي أن يتّخذ من المنطق الصوري منهجا للوصول إلى إثارة الاضطراب الاجتماعي. والمنطقُ الصوري عند دارسي الفلسفة والعلوم الاجتماعية هو القياس الذي يبدو ظاهرُه صحيحا لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى الصواب وبلوغ الحقيقة.
إنّه من حق أيّ مواطن أن يُعارض سياسة حُكّامه إذا رأى أنّها لا تخدم الصالح العامّ ولا تُحقق آمال المواطنين ورغباتهم. كما أنّه من حق أي إنسان أن يتمتّع بحرِّية رأيه وحرية التعبير عنه بل وحرية التنظيم للتمكين لقناعاته، لكن كل ذلك يجب أن يكون في الأُطُر الكفيلة بحقوق الآخرين في الاختلاف من دون أن يتعرَّضوا للتنكيل أو التشهير أو الاعتداء بأيّ صورة كانت.
وما لم تُقيّد الحرية بالمسؤولية فإنّ الفوضى هي النتيجة الحتمية لكل من يقول ما لا يفعل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!