ماذا أبقوا لنا يا ولد من هذا البلد؟
أدرك أخيرا بالعقل وبالحدس معا أن لون ونكهة المكان قد تغيرا من تحت قدمي وأن الزمان سوف يجرني بسلاسله في منعرجات الغربة، وأن ليل الشاعر الجاهلي قد لحقني فعلا وسيطول عيَ في مدارات بريطانيا. في الوقت الذي كانت عقارب هذه الهواجس تعض جلدي ويتسلل سمَها في كريَات دمي تذكرت العبارة الشهيرة في التاريخ التي خاطب بها يوما طارق بن زياد جنوده – البالغ تعدادهم 12 ألف نفرمن البربر الشجعان وهو يعبر بهم ومعهم البحر الأبيض المتوسط ليتوغلوافي أصقاع الضفة الجنوبية من الأندلس بعد أن أحرق سفنه وأشرعتها وهي: “البحر من ورائكم والعدو من أمامكم …” قد صارت الآن تنطبق معنى ومبنى على حالتي تمام الانطباق. في كثير من الأحيان كنت أردَدها في الليل الأسحم وفي النهارالرمادي المغلف بلسعات الرياح الباردة الآتية من القطب الشمالي بصوت جهوري حينا ومنخفض حينا آخر ولكي أجعلها تتماهى أكثر مع وضعي أجريت عليها تغييرا طفيفا حيث نسجتها في صيغة المفرد وسلخت عنها كلمة “العدوَ” لتصير هكذا: “ظلما ترعب الحزب الحاكم في الجزائر وجهاز بوليسه وراءك وضباب الاغتراب أمامك، فأين المفر؟
في الحقيقة فإنَ إيقاع حياتي لم يعد كما كان بل فإنه قد تغير كلية، وهكذا قطعت كل الحبال وجدت نفسي بلا بيت أملكه، ولا وظيفة مضمونة، ولا عائلة تشدَ من إزري إذا ضاقت حول معصمي النحيل سلاسل الدنيا. صحيح أن صديقي الناقد والاعلامي السوري خلدون الشمعة قد وفَر لي العمل كمتعاون دائم مع “مجلة الدستور” الذي كان حينذاك رئيسا لتحريرها ولكن ليس كل السحب تمطر ولا كل النجوم في مجرتنا تدوم. لكي أمسح الرماد على قلبي شرعت في وضع برنامج لنفسي وفي رسم الخطة التي اجسده بموجبها. كان البرنامج أن أدرس اللغة الانكليزية وأن أقنها وأن أدرس الذهنية البريطانية التي أسست وصقلت مكوناتها الفلسفة التجريبية والوضعية المنطقية والمنهج البراغماتي، وأن أبدأ في إعادة رسم خريطة تكويني الثقافي والفكري من الأساس وجذريا وأطرد فلول الأمية الفكرية من النافذة بعد غلق الأبواب من كل الجهات بالفولاذ، وأن أواصل كتابة الشعر على نحو جديد يتعاضد فيه جناح العمق الفلسفي وجناح قضية الحرية. وفضلا عن ذلك فإن مهمتي وليس مهنتي كما رسمتها لنفسي هي أن أواصل معارضة التخلف في بلادي بواسطة كتاباتي الصحفية النقدية سواء كان هذا التخلف ممثلا في النظام السياسي المتحجر الذي تركته ورائي والذي كان ولا يزال هو نفسه بجلده وعظمه ولحمه رغم تغير أقنعته حيث أنه كان ولا يزال يقيَد خطوات الجزائر، ويعطل حظها في التقدم والتحديث والرقي، أو كان ممثلا في البنيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تقوَي وتعزَز مواقع ذلك النظام وتعيد انتاجه كلما ظننا أو توهمنا في الغالب أنه يمكن أن يرحل وترحل معه إلى مثواه الأخير بطلاق التراضي.
قضيت الشهر الأول الذي تراوح مذاقه بين العسل والحنظل في ترتيب أوضاع إقامتي في لندن في جمع شتات نفسي، وفي كتابة زاويتي الأسبوعية “بلا أقنعة”، والمقال التحليلي السياسي الأسبوعي أيضا، وفي الشروع في دراسة اللغة الانكليزية بمعهد “ستانتون “ أذكر أيضا أن أساتذة ذلك المعهد بما في ذلك مديره المدعو ديفيد قد كانوا من الانكليز سوى أستاذ واحد كان من أصول كاريبية – أفريقية، ولقد أنساني الزمان اسمه. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان أغلب الأساتذة نساء في ريعان شبابهن ولكن بعضهن كن بصدد الدخول رويدا رويدا في عتبات الكهولة الأولى. لقد تميزت الدراسة في هذا المعهد بالجدية والصرامة، وكنا نحن الغرباء الآتين من مختلف البلدان سعداء بذلك كل السعادة. على أي حال فإن فترة السنوات الثلاث التي قضيتها في هذا المعهد في تحضير امتحانات شهادتي جامعة كامبريدج الأولى وشهادة الكفاءة غنية بيداغوجيا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كانت ذات أهمية كبيرة فيما يتعلق بربط تعليم الانكليزية للأجانب بعناصر الهوية الثقافية والاجتماعية البريطانية التي سأتحدث عن تفاصيلها والآليات التي اتبعت في ذلك الربط المحكم.
ولكن لابد من القول باختصار بأن الانكليز يدرَسون لغتهم ليس كمجرد شكل صوتي ونحو وصرف وإنما كوسيلة للترجمة وأعني هنا ترجمة المتعلمين الأجانب أنفسهم إلى الثقافة البريطانية بأساسها الانكليزي تاريخا وقيما وأسلوب حياة، وبعبارة أخرى فإن هذا التعليم يقصد منه أن يكون قوة ناعمة تتكفل على نحو غير مباشر بنشر الهوية البريطانية. أترك الآن هذا الموضوع المهم جدا لأعود إليه وأحلل تفاصيله وعلاقة اللغوة بالهوية وبالمشاريع الأيديولوجية في الوقت المناسب ولعلنا نستمد منه العبرة لأن تعلمينا في بلداننا في العالم الثالث هو أبعد من زحل عن قضايا مجتمعاتنا منها قضية بناء الهوية.
لقد كان عملي في مجال”الدستور” في السنوات الثلاث الأولى سلسا، وكانت علاقاتي بهيئة تحريرها، ومديرها العام السوداني السيد شوقي ملاسي ومدير الادارة الانكليزي السيد لاد واعوانه ودية، وإن خدشتها بعض الممارسات السلبية التي ظهرت في السنة الأخيرة من عمرها الذي انتهى بالإغلاق إلى الأبد، وهذا جانب سأخصه فيما بعد بالعرض والمناقشة وبكل موضوعية وصدق، في انطلاقة عملي الذي كان يتطلب مني كتابة مقالين أسبوعيا في المنزل ثم الحضور إلى مقر المجلة يوم الجمعة فقط لتسليمهما والاشراف على تصحيحهما بعد رقنهما من قبل الراقنين، وأن أختار لهما الصور الملائمة لتنشر معهما عندما يكون ذلك مطلوبا.
أما باقي أيام الأسبوع فقد كنت أقضيها في الدراسة وفي التحصيل المعرفي واكتشاف تضاريس الحياة البريطانية.أخترت لزاويتي اسم “بلا أقنعة” لسببين أولهما أنني وعدت نفسي أن أكون في كل ما أكتبه وكالعادة صريحا وواضحا وأن لا أربط نفسي بأي شيء لا أؤمن به مهما كانت التبعات، ومهما كلفني ذلك من أتعاب، وثانيهما أردت أن أساهم في إسقاط الأقنعة عن كل ما يقف حجر عثرة أما التقدم وحتى ذلك “التقدم الذي يمكن أن يفسد الإنسان” كما قال مرَة الشاعر الروسي العميق الراحل ألكسندر فزنسينسكي ومنها أقنعة الهويات المزيفة في الخطاب الثقافي والسياسي والفكري في مجتمعاتنا. لا شك أنني لم أنس السخرية التي تضمنها عنوان كتاب المفكر فرانز فانون والموسوم “جلود سوداء، اقنعة بيضاء” من هذا النمط من سيرك الأقنعة التي تحجب وتطمس حقيقة المجتمع والناس. هنا تساءلت مع نفسي: هل أستطيع أن أنجو بجلدي وأحافظ على استقلاليتي في مجلة “الدستور” الأسبوعية التي كان يشرف عليها حزب البعث “السوداني” وتنفق عليها الدولة العراقية بطريقة غير مباشرة كما علمت في ذلك الوقت؟ نعم، لقد وجدت نفسي في وضع حرج خاصة أنني لم أكن بعثيا ولو لحظة واحدة في حياتي ولا أريد أن أتورط في أي تصنيف يجعلني أنتمي رسميا لأي حزب سواء في الجزائر أو في مكان آخر في السرَ وفي العلن.
فالشاعر يفقد مجرَة نفسه الحرَة ويضيَع الطريق إلى وادي عبقر، ويفقده الشعر أيضا عندما يتطابق مع العقيدة الأيديولوجية المصفحة والمغلقة مهما كان نوعها و يجعلها سماءه الأولى والأخيرة. ماذا فعلت على مدى أربع سنوات لكي أنجو من هذا الشرك وأنا الذي يدرك أن الأحزاب العربية بكل فصائلها و “فسائلها” ليست سوى أولئك الذين؟:
أخذوا منَا حفيف الأرض والفجر الصغير
حذفوا فينا أراجيح الهديل
وندى الصحراء، منَا أخذوا برقالصهيل
حفروا البيدر والقمح، وفينا يتَموا عذق النخيل.
أخذوا ذاكرة الوقت،وفينا سدَوا حلق الشجر
مزقوا البحر وقفطان الجزر
ووراء الرمل أدموا أقراطها واحدة تلو الأخر.
أخذوا منَا نداء جبل كان لنا متَكأ حين آذانا المنحدر
أخذوا منَا مزامير الشجر
وعلى أغصانه دقوا طبولا من حجر
هل تبقَى للطيور يا ولد
مرفأ أخضر في هذا البلد؟
كان في قريتنا نبع ترى حلمته نسوتنا المرتعشات
حين تهبَ الشهوات
وحواليه رقصن للذرى واحدة تلو الأخر
فارتدى نهر الجبال وهمه ثم تمطَى
مرَة خيلا، ومرَات قناديل ثمر
وخلال نومنا انهالوا عليه بالرماد والشرر
فبكى في الماء صلصال وأذيال قمر
هل تبقَى للزمان يا ولد
في رميم سمَه هذا البلد
غير أصداء تسوق الظلمات خلف قطعان الزبد؟
آه شعبي، آه شعبي
هل هناك كوكب آخر نسكنه أم ضيَق حتَى بخار ظل أشباح الصدى؟
آه شعبي، آه شعبي
مدَ لي حلمك حبلا فيدي ممدودة لكنَهم قد قطَعوها وهي تجتازإليك شهقة الأرض وأقفاص الردى
آه يا سروة الناي إلبسيني كي يسير معنا العشب وظل الطير وخلخال المدى.